على آخرها ، ثم قال : سمعت رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم يقول : « يجيء فقراء المهاجرين يوم القيامة للحساب فيقولون هل أعطيتمونا شيئا فتحاسبوننا عليه فيدخلون الجنّة قبل الأغنياء بخمس مائة عام ، حتّى إنّ الرجل من الأغنياء ليدخل في غمارهم فيؤخذ فيستخرج ، فأراد عمر أن يجعلني ذلك الرجل وما يسرّني إنّي كنت ذلك الرجل وإن لي الدنيا وما فيها » [ 196 ] « 1 » .
أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
أي حبسوا ومنعوا في طاعة الله
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً
سيرا
فِي الْأَرْضِ
وتصرّفا فيها للتجارة وطلب المعيشة ، نظيره قوله تعالى :
وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ
« 2 » .
قال الشاعر :
قليل المال يصلحه فيبقى * ولا يبقى الكثير مع الفساد
وحفظ المال أيسر من بغاه * [ وضرب ] في البلاد بغير زاد « 3 »
قال قتادة : معناه : حبسوا أنفسهم في سبيل الله عزّ وجلّ للغزو والعبادة ف
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
ولا يتفرّغون إلى طلب المعاش . وقال ابن زيد : من كثرة ما جاهدوا
لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ
، فصارت الأرض كلّها حربا عليهم لا يتوجّهون جهة إلّا ولهم فيها عدو .
وقال سعيد : هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فصاروا زمنى فأحصرهم المرض والزمانة عن الضرب في الأرض ، واختاره الكسائي ، قال :
أُحْصِرُوا
من المرض ، فلو أراد الحبس لقال : حصروا ، وإنّما الإحصار من الخوف أو المرض ، والحصر الحبس في غيرهما « 4 » .
يَحْسَبُهُمُ
قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة والأعمش وحمزة وعاصم يحسب وبابه بفتح السين في جميع القرآن .
والباقون بالكسر . واختاره أبو عبيد وأبو حاتم وقيل إنّها لغة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم .
عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه وافد بني المشفق قال : قدمت على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم أنا وصاحب لي فذكر حديثا فقال صلّى اللّه عليه وسلّم للراعي : « أذبح لنا شاة » ، ثم قال : « لا تحسبن أنا أنّما ذبحناها من أجلكم - ولم يقل يحسبن أنا إنما ذبحناها لك - ، ولكن لنا مائة من الغنم فإذا زادت
هامش
( 1 ) تاريخ دمشق : 21 / 144 ط . دار الفكر .
( 2 ) سورة المزمّل : 20 .
( 3 ) تاريخ دمشق : 11 / 372 ، وفيه : وعسف في البلاد ، وكذا في السيرة النبوية لابن كثير : 1 / 112 .
( 4 ) زاد المسير : 1 / 283 .