وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ
وأراد بالهدى : التوفيق والتعريف ؛ لأنّه كان على رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هدى البيان والدعوة .
وعن عمر بن عبد العزيز قال : بلغني أن عمر بن الخطاب رأى رجلا من أهل الذمّة يسأل على أبواب المسلمين فقال : ما أنصفناك يأخذوا منك الجزية ما دمت شابا ثم ضيّعناك اليوم ، فأمر أن تجرى علية قوته من بيت المال .
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ
شرط وجزاء ، والخير هاهنا المال
وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ
شرط كالأوّل لذلك حذف النون منها [ في الموضعين ] .
يُوَفَّ إِلَيْكُمْ
جزاؤه ، كأن معناه : يؤدّى إليكم ، فكذلك أدخل إلى
وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ
لا تظلمون من ثواب أعمالكم شيئا .
وأعلم إنّ هذه الآية في صدقة التطوّع ، أباح الله أن يتصدّق المسلم على المسلم والذمّي ، فأمّا صدقة الفرض فلا يجوز إلّا للمسلمين ، وهما أهل السهمين الذين ذكرهم الله تعالى في سورة التوبة ، ثم دلّهم على خير الصدقات وأفضل النفقات ، فقال الله تعالى :
لِلْفُقَراءِ
واختلف العلماء في موضع هذا اللام ، فقال بعضهم : هو مردود على موضع اللام من قوله
فَلِأَنْفُسِكُمْ
كأنّه قال : وما تنفقوا من خير فللفقراء وإنّما تنفقون لأنفسكم ثوابها راجع إليكم ، فلمّا اعترض الكلام قوله
فَلِأَنْفُسِكُمْ
وأدخل الفاء التي هي جواب الجزاء فيها ، تركت أعادتها في قوله
لِلْفُقَراءِ
إذ كان معنى الكلام مفهوما .
وقال بعضهم : خبر محذوف تقديره :
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ
صفتهم كذا ، حق واجب ،
وهم فقراء المهاجرين وكانوا نحوا من أربعمائة رجل ليس لهم مساكن بالمدينة ولا عشائر جعلوا أنفسهم في المسجد يتعلّمون القرآن بالليل ويرضخون بالنهار [ . . . ] « 1 » وكانوا يخرجون في كل سرية يبعثها رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم [ فخرج ] « 2 » يوما على أصحاب الصفّة فرأى فقرهم وجهدهم فثبّت قلوبهم فقال : « أبشروا يا أصحاب الصفّة ، فمن بقي من أمّتي على النعت الذي أنتم عليه راضيا بما فيه فإنّهم من رفقائي » .
وروي إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إلى سعيد بن عامر بألف درهم فجاء كئيبا حزينا فقالت له امرأته : حدث أمر ، قال : أشدّ من ذلك ، ثم قال : أريني درعك الخلق فشقّه وجعله صررا ثم قام يصلّي ويبكي إلى الغداة ، فلما أصبح قام بالطريق فجعل [ ينفق كل ] صرّة حتّى أتى
هامش
( 1 ) غير مقروءة في المخطوط .
( 2 ) غير مقروءة في المخطوط والظاهر ما أثبتناه .