سلّمتم أجور المراضع إليهن .
وقيل : إذا سلّمتم الاسترضاع عن تراض واتفاق دون الضرار وذلك قوله تعالى
ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
أي يقبضون ويموتون ، وأصل التوفي أخذ الشيء وافيا ،
وقرأ علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه بفتح الياء
أي يتوفون أعمارهم وأرزاقهم وتوفى واستوفى بمعنى واحد
وَيَذَرُونَ
ويتركون
أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ
فإن قيل : فأين الخبر عن قوله
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ
قيل : هو متروك فإنه لم يقصد الخبر عنهم ، وذلك جائز في الاسم يذكر ويكون تمام خبره في اسم آخر ، أن يقول الأول ويخبر عن الثاني فيكون معناه
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
كقول الشاعر :
بني أسد أنّ ابن قيس وقتله * بغير دم دار المذلّة حلّت « 1 »
فألغى ابن قيس وقد ابتدأ بذكره ، وأخبر عن قتله أنه ذلّ ، وأنشد :
لعلّي أن مالت بي الريح ميلة * على ابن أبي ذبان أن يتندما « 2 »
فقال : لعلّي ثم قال : يتندما لأن المعنى فيه عدا قول الفرّاء .
وقال الزجّاج : معناه :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً
أزواجهم
يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
.
وقال الأخفش : خبره في قوله
يَتَرَبَّصْنَ
أي يتربصن بعدهم .
وقال قطرب : معناه ينبغي لهنّ أن يتربصن أي ينتظرن ويحتبسن بأنفسهن ، معتدّات على أزواجهن ، تاركات الطيب والزينة والأزواج والنقلة عن المسكن الذي كنّ يسكنّه في حياة أزواجهنّ أربعة أشهر وعشرا إلّا أن يكنّ حوامل فيتربصن إلى أن يضعن حملهن ، فإذا ولدن انقضت عدّتهنّ .
روى الزهري عن عروة عن عائشة أنها كانت تفتي للمتوفى عنها زوجها حتّى تنقضي عدّتها أن لا تلبس مصبوغا ، وتلبس البياض ولا تلبس السواد ، ولا تتزيّن ولا تلبس حليّا ولا تكتحل بالإثمد ولا بكحل فيه طيب وإن وجعت عينها ، ولكنها تتحلّى بالصبر وما بدا لها من الأكحال سوى الإثمد مما ليس فيه طيب .
وروى نافع عن زينب بنت أم سلمة أنّ امرأة من قريش جاءت إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم فقالت :
إن ابنتي توفي زوجها وقد اشتكت عينها حتّى خفت على عينها وهي تريد الكحل ، فقال عليه الصلاة والسلام : « قد كانت احداكنّ تلبس أطمار ثيابها وتجلس في أخسّ بيوتها وتمكث حولا
هامش
( 1 ) جامع البيان للطبري : 2 / 693 .
( 2 ) جامع البيان للطبري : 2 / 693 .