تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 483

مساهمون:

ص٤٨٣
والشدة . ثم قال :
كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ
يعني : أهل ضيروان ، وهي قبيلة باليمن . وروى أسباط ، عن السدي قال : كان قوم باليمن وكان أبوهم رجلا صالحا ، وكان إذا بلغ ثماره فأتاه المساكين ، فلم يمنعهم من دخولها ، وأن يأكلوا منها ، وأن يتزودوا فيها . فلما مات أبوهم ، قال بنوه بعضهم لبعض : على ما نعطي أموالنا هؤلاء المساكين ؟ فقالوا : فلندع من يصرفها قبل أن يعلم المساكين . ولم يستثنوا فانطلقوا وهم يتخافتون ، ويقول بعضهم لبعض خفيا : أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين فذلك قوله :
إِذْ أَقْسَمُوا
يعني : حلفوا فيما بينهم .
لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ
يعني : ليجدنّها وقت الصبح ، أي : ليقطعنها قبل أن يخرج المساكين .
وَلا يَسْتَثْنُونَ
يعني : لم يقولوا : إن شاء اللّه تعالى . وروي في الخبر : أن أباهم كان إذا أراد أن يصرم النخل ، اجتمع هناك مساكين كثيرة . وقد جعل له علامة ، فكل ثمرة تسقط وراء العلامات ، كانت للمساكين . فكانوا يأخذون الثمر قدر ما يتزودون به أياما كثيرة . فلما مات الرجل ، قال بنوه فيما بينهم : إن أبانا كان عياله أقل ، وحاجته أقل فصار عيالنا أكثر . وحاجتنا أكثر فخرجوا بالليل ، كي لا يشعر بهم المساكين ، فاحترقت نخيلهم في تلك الليلة ، فذلك قوله :
فَطافَ عَلَيْها طائِفٌ
يعني : بعث اللّه تعالى نارا على حديقتهم بالليل . والطائف : الذي أتاك ليلا فأحرقها وهم نائمون .
مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نائِمُونَ
فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ
يعني : صارت الحديقة كالليل المظلم . وقال القتبي : الصريم : من أسماء الأضداد . يسمى الليل صريما ، والصبح صريما ، لأن الليل ينصرم عن النهار ، والنهار ينصرم عن الليل . ويقال : الصريم يعني : ذهب ما فيها ، فكأنه صرم أي قطع وجز . ثم قال :
فَتَنادَوْا مُصْبِحِينَ
يعني : نادى بعضهم لبعض
أَنِ اغْدُوا عَلى حَرْثِكُمْ
يعني : اخرجوا بالغداة جذوا زروعكم وصرام نخيلكم .
إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ
يعني : إن أردتم أن تصرموها قبل أن يحضرها المساكين .
فَانْطَلَقُوا
يعني : ذهبوا إلى نخيلهم ،
وَهُمْ يَتَخافَتُونَ
يعني : يتشاورون فيما بينهم بكلام خفي :
أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ
وَغَدَوْا عَلى حَرْدٍ
قال مقاتل : يعني : على جد في أنفسهم .
قادِرِينَ
على جنتهم ؛ وقال الزجاج : معناه على قصد ، وقال القتبي : الحرد المنع ، ويقال : الحرد القصد قادرين واجدين ؛ ويقال : على قوة ونشاط ، ويقال : على طريق جنتهم ، ويقال : الحرد اسم تلك الجنة .
فَلَمَّا رَأَوْها
يعني : أتوها ورأوها مسودة ، أنكروها .
قالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ
يعني : أخطأنا الطريق ، وليست هذه جنتنا . فلما تفحصوا وعملوا أنها جنتهم وأنها عقوبة لهم ، فقالوا :
بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ
يعني : حرمنا منفعتها .
قالَ أَوْسَطُهُمْ
يعني : أعدلهم وأعقلهم :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْ لا تُسَبِّحُونَ
يعني : هلا تستثنون في أيمانكم . ويقال : كان استثناؤهم التسبيح يعني : لولا قلتم سبحان اللّه . فندموا على فعلهم .
قالُوا سُبْحانَ رَبِّنا
يعني : نزهوه وعظموه تائبين