تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
قوله تعالى :
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً
أي : سفينة نوح أبقيناها عبرة للخلق . وقال بعضهم : يعني : تلك السفينة بعينها كانت باقية على الجبل إلى قريب من خروج النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وقال بعضهم : يعني : جنس السفينة صارت عبرة ، لأن الناس لم يعرفوا قبل ذلك سفينة ، فاتخذت الناس السفن بعد ذلك في البحر ، فلذلك كانت آية للناس . ثم قال :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يعني : هل من معتبر يعتبر بما صنع اللّه تعالى بقوم نوح ، فيترك المعصية . ويقال : فهل من مذكر يتعظ بأنه حق ، ويؤمن به . وقال أهل اللغة : أصل مدكر ، مفتعل من الذكر ، مذتكر ، فأدغمت الذال في التاء ، ثم قلبت دالا مشددة . ثم قال :
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
يعني : كيف رأيت عذابي ، وإنذاري لمن أنذرهم الرسل ، فلم يؤمنوا ، والنذر بمعنى الإنذار . قوله عز وجل :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ
يعني : هوّنا القرآن
لِلذِّكْرِ
يعني : للحفظ . ويقال : هونا قراءاته . وروى الحسن عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « لولا قول اللّه تعالى :
وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
ما طاقت الألسن أن تتكلّم به » ويقال : هوناه لكي يذكروا به ثم قال :
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
يعني : متعظ ، يتعظ بما هون من قراءة القرآن . وروى الأسود عن عبد اللّه بن مسعود - رضي اللّه عنه - أنه قال : قرأت على النبي صلّى اللّه عليه وسلم
فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ
بالدال ، فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « فهل من مذّكر » يعني : بالذال . قوله تعالى :
كَذَّبَتْ عادٌ
يعني : كذبوا رسولهم هود
فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ
يعني : أليس وجوده حقا ، ونذر جمع نذير قال القتبي : النذر جمع النذير ، والنذير بمعنى الإنذار ، مثل التنكير بمعنى الإنكار . يعني : كيف كان عذابي ، وإنكاري . ثم بيّن عذابه فقال عز وجل :
إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً
يعني : سلطنا عليهم ريحا باردة
فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ
يعني : شديدة استمرت عليهم ، لا تفتر عنهم سبع ليال ، وثمانية أيام ، حسوما دائمة
تَنْزِعُ النَّاسَ
يعني : تنزع أرواحهم من أجسادهم ، وهذا قول مقاتل . ويقال :
فِي يَوْمِ نَحْسٍ
يعني : يوم مشؤوم عليهم :
مُسْتَمِرٍّ
يعني : استمر عليهم بالنحوسة . وقال القتبي : الصرصر ريح شديدة ذات صوت تنزع الناس . يعني : تقلعهم من مواضعهم .
كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ
يعني : صرعهم ، فكبهم على وجوههم كأنهم أصول نخل منقلعة من الأرض ، فشبههم لطولهم بالنخيل الساقطة . وقال مقاتل : كان طول كل واحد