إيمانهم . حيث قال لهم أبو جهل وأصحابه : ما رأينا أحدا أجهل منكم ، تركتم دينكم ، وأخذتم دينه . فقالوا : ما لنا لا نؤمن باللّه ، فذلك قوله عز وجل :
وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ
يعني :
يدفعون قول المشركين بالمعروف . ويقال : يدفعون الشرك بالإيمان . ويقال : يدفعون بالكلام الحسن الكلام القبيح . ويقال : يدفعون ما تقدم لهم من السيئات بما يعملون من الحسنات
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
يعني : يتصدقون .
قوله عز وجل :
وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ
يعني : إذا سمعوا الشتم والأذى والقبيح لم يردوا عليهم ، ولم يكافئوهم به ولم يلتفتوا إليه ، يعني : إذا شتمهم الكفار لم يشتغلوا بمعارضتهم بالشتم
وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا
يعني : ديننا
وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
يعني : دينكم
سَلامٌ عَلَيْكُمْ
يعني : ردّوا معروفا عليهم ليس هذا تسليم التحية ، وإنما هو تسليم المتاركة والمسالمة ، أي : بيننا وبينكم المتاركة والمسالمة ، وهذا قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال . ويقال : السلام عليكم يعني : أكرمكم اللّه تعالى بالإسلام
لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
أي : لا نطلب دين الخاسرين ، ولا نصحبهم . ويقال : هذه الآية مدنية نزلت في شأن عبد اللّه بن سلام .
وروى أسباط عن السدي قال : لما أسلم عبد اللّه بن سلام رضي اللّه عنه فقال : يا رسول اللّه ، ابعث إلى قومي فاسألهم عني . فبعث إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد ستر بينهم وبينه سترا .
وقال : « أخبروني عن عبد اللّه بن سلام كيف هو فيكم ؟ » قالوا : ذاك سيدنا وأعلمنا . قال :
« أرأيتم إن آمن بي وصدّقني أتؤمنون بي وتصدّقوني ؟ » قالوا : هو أفقه من أن يدع دينه ويتبعك .
قال : « أرأيتم إن فعل ؟ » قالوا : لا يفعل . قال : « أرأيتم إن فعل ؟ » قالوا : إنه لا يفعل ، ولو فعل إذا نفعل . فقال عليه السلام : « أخرج يا عبد اللّه » . فخرج . فقال : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنك رسول اللّه ، فوقعوا فيه وشتموه وقالوا : ما فينا أحد أقل علما ولا أجهل منك . قال : « ألم تثنوا عليه آنفا ؟ » قالوا : إنا استحينا أن نقول اغتبتم صاحبكم ، فجعلوا يشتمونه وهو يقول :
سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
فقال : ابن يامين وكان من رؤساء بني إسرائيل : أشهد أن عبد اللّه بن سلام صادق ، فابسط يدك يا محمد ، فبسط يده ، فبايع ابن يامين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فنزل :
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ
إلى قوله :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
وإلى قوله :
لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ
« 1 » .
[ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 56 إلى 57 ]
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 ) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 )
هامش
( 1 ) عزاه السيوطي : 6 / 426 إلى ابن أبي حاتم .