ثم قال عز وجل :
فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً
، يعني : إن رأيت أحدا من الناس ،
فَقُولِي
إن سألك سائل شيئا فقولي :
إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً
، يعني : صمتا . وروي عن ابن عباس في بعض الروايات أنه كان يقرأ إنّي نذرت للرّحمن صمتا .
فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا
؛ يعني : قولي ذلك بالإشارة لا بالقول ، وكان المتقدمون يصومون من الكلام كما يصومون من الطعام .
[ سورة مريم ( 19 ) : الآيات 27 إلى 33 ]
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا ( 27 ) يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ( 28 ) فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ( 29 ) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ( 30 ) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ( 31 )
وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا ( 32 ) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ( 33 )
ثمّ قال :
فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ
وذلك أن مريم حملت عيسى عليه السلام ودخلت على أهلها ، وكان أهلها أهل بيت صالحين .
قالُوا
أي قال لها قومها :
يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا
، يعني : أتيت وفعلت أمرا منكرا عظيما ، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك .
قوله عز وجل :
يا أُخْتَ هارُونَ
، يعني : هارون بن ماثان ، وكان من أمثل بني إسرائيل
يا أُخْتَ هارُونَ
، يعني : يا شبه هارون في الصلاة والصلاح ، ويقال : كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون ، ويقال : كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها ، وذكر أن أهل الكتاب قالوا : كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة ؟
فذكر ذلك لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « إنّهم كانوا يسمّون بأسماء الأنبياء والصّالحين » عليهم السّلام يعني : أن أخا مريم سمّي باسم هارون النبي عليه السلام .
ثم قال :
ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ
، يعني : زانيا
وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا
، يعني : فاجرة .
قوله عز وجل :
فَأَشارَتْ إِلَيْهِ
، يعني : أشارت إلى عيسى عليه السلام أن كلموه ، يعني : كلّموا عيسى .
قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
؟ يعني : من هو في الحجر رضيع . ويقال : معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد ؟ ويقال : معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبيا ؟ فأنطق اللّه عز وجل عيسى ، فتكلم و
قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ
، فأول الكلام الذي تكلم به هو ردّ على النصارى ، لأنه أقر بأنه عبد اللّه ورسوله . ثم قال :
آتانِيَ الْكِتابَ
؛ روي عن ابن عباس أنه قال : « معناه علمني الكتاب في بطن أمي » ، ويقال : معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل ،
وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
أي أكرمني اللّه تعالى بأن جعلني نبيا ،
وَجَعَلَنِي مُبارَكاً
؛ يعني :
جعلني معلما للخلق
أَيْنَ ما كُنْتُ
، يعني : حيث ما كنت ،
وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ
؛