يومئذ ابن سبع سنين ، وغاب عن أبيه ثمانين سنة ، وعاش بعد ما جمع اللّه شمله ثلاثا وعشرين سنة . وروي عن ابن عباس أنه قال : « غاب يوسف عنه اثنين وعشرين سنة » . وقال سعيد بن جبير : ما أعطيت أمة من الأمم
إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ
[ البقرة : 156 ] غير هذه الأمة ، ولو كان أوتيها أحد قبلكم لأوتيها يعقوب حين قال :
يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ
وروي عن إبراهيم بن ميسرة أنه قال : لو أن اللّه أدخلني الجنة ، لعاتبت يوسف بما فعل بأبيه ، حيث لم يكتب إليه كتابا ، ولم يعلمه حاله ، ليسكن ما به من الغم .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 85 إلى 87 ]
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ ( 85 ) قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ( 86 ) يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ ( 87 )
قوله تعالى :
قالُوا تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ
يعني : أن بنيه قالوا ليعقوب : لا تزال تذكر يوسف
حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً
أي : دنفا من الوجع . ويقال : حتى تبلى وتهرم . وقال القتبي : لا تحذف من الكلام ، ويراد به إثباتها ، لقوله
تَفْتَؤُا
أي : لا تفتأ ، أي لا تزال تذكر يوسف كقوله
أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ
[ الحجرات : 2 ] أي : لكيلا تحبط أعمالكم
حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً
.
وقال الربيع بن أنس : حتى تكون باليا ، يابس الجلد ، وقال محمد بن إسحاق :
حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً
يعني : لا عقل لك
أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ
يعني : من الميتين . وقال مجاهد :
الحرض ما دون الموت ، والهالك الميت
قالَ
يعقوب
إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي
يعني : همي وغمي
إِلَى اللَّهِ
لما رأى من فظاظتهم ، وسوء لفظهم ، ولا أشكو ذلك إليكم . وقال القتبي :
البث أشد الحزن ، إنما سمي الحزن البث ، لأن صاحبه لا يصبر عليه ، حتى يبثه أي : يفشوه .
ثم قال :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
أن يوسف حي ، وليس بميت . وإنما كان يعلم ذلك من تحقيق رؤيا يوسف ، حين رأى في المنام أحد عشر كوكبا ، أن ذلك سيكون . ويقال :
إن يعقوب رأى ملك الموت في المنام ، وسأله : هل قبضت روح قرة عيني يوسف ؟ قال : لا ، ولكن هو في الدنيا حي ، فلذلك قال :
وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
.
ثم قال تعالى :
يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ
يعني : انطلقوا إلى مصر ، فاطلبوا خبر يوسف
وَأَخِيهِ
قالوا له : أما بنيامين فلا نترك الجهد في أمره ، وأما يوسف فإنه ميت ، وإنا لا نطلب الأموات . فقال لهم يعقوب :
وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ
يعني : لا تقنطوا من رحمة اللّه
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
يعني : الجاحدين لنعمة اللّه .
[ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 88 إلى 89 ]
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ( 88 ) قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ ( 89 )