تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 82

مساهمون:

ص٨٢
أي نتركها مثل قوله تعالى :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
[ التوبة : 67 ] أي تركهم في النار ، وقال ابن عباس في رواية أبي صالح في قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها
ما ننسخ من آية فلا نعمل بها
أَوْ نُنْسِها
ندعها غير منسوخة والنسخ رفع الشيء وإقامة غيره مقامه ، وفي الشرع رفع كل حكم قبل فعله أو بعده إذا كان مؤقتا . ثم قال تعالى
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
، يعني أهون وألين منها على الناس
أَوْ مِثْلِها
في المنفعة . وقال الزجاج : النسخ في اللغة ، هو إبطال شيء وإقامة شيء آخر مقامه ، والعرب تقول : نسخت الشمس الظل إذا أزالته .
أَوْ نُنْسِها
أي نتركها ، معناه أي نأمركم بتركها . وقال أبو عبيد القاسم بن سلام : النسخ له ثلاثة مواضع ولكل منها شواهد ودلائل ، فأحدها : ما روي عن ابن عباس - رضي اللّه عنهما - أنه قال :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
أي نبدلها ونوضحها ، وما روي عن مجاهد أنه قال : نثبت خطها ، ونبدل حكمها . فهذا هو المعروف عند الناس . الثاني : أن ترفع الآية المنسوخة بعد نزولها ولهذا دلائل جاءت فيه ، من ذلك ما روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه صلى ذات يوم صلاة الغداة ، فترك آية ، فلما فرغ من صلاته قال : « هل فيكم أبيّ » ؟ قالوا : نعم . قال : « هل تركت من آية » ؟ قالوا : نعم تركت آية كذا ، أنسخت أم نسيت قال : « لا ، ولكن نسيت » . وجاءت الآثار في نحو هذا ، لأن الآية قد تنسخ بعد نزولها وترفع . والنسخ الثالث : تحويله من كتاب إلى كتاب ، وهو ما نسخ من أم الكتاب ، فأنزل على محمد صلى اللّه عليه وسلم
أَوْ نُنْسِها
أي نتركها في اللوح المحفوظ . وقال بعضهم : لا يجوز النسخ فيما يرفع كله بعد نزوله ، لأن اللّه تعالى قال :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 9 ] وقال :
إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ
[ القيامة : 17 ] ولكن أكثر أهل العلم قالوا : يجوز ذلك . والنسخ يجوز في الأمر والنهي والوعد والوعيد ولا يجوز في القصص والأخبار ، لأنه لو جاز ذلك يكون كذبا ، والكذب في القرآن لا يجوز . ثم قال تعالى :
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
من الناسخ والمنسوخ .

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 107 ]

أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ( 107 )
أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
يحكم فيهما ما يشاء بأمره ثم يأمر بغيره . قال الزجاج : الملك في اللغة : هو تمام القدرة ، وأصل هذا من قولهم : ملكت العجين إذا بالغت في عجنه . ومعنى الآية إن اللّه يملك السماوات والأرض وما فيهما ، فهو أعلم لما يصلحهم فيما يتعبدهم به من ناسخ ومنسوخ ومتروك وغير متروك . وكان اليهود أعداء اللّه ينكرون النسخ ، وكانوا يقولون حين تحولت القبلة إلى الكعبة : لو كنتم على الحق
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 82 | أبو الليث السمرقندي / محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري