تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
واحد ، ولم يختلف الرسل في الإيمان ، وإنما اختلفوا في الشرائع . قال القتبي : الشرعة والشريعة واحد ، يعني : السنة والمنهاج الطريق الواضح . وقال الزجاج : الشرعة الدين ، والمنهاج الطريق ، وقد قيل : هما شيء واحد ، وهو الطريق ، ويقال :
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً
معناه : فرضت على كل أمة ما علمت أن صلاحهم فيه . ثم قال :
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
يعني : جعلكم على شريعة واحدة ،
وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ
ليخبركم ،
فِي ما آتاكُمْ
يعني : أمركم من السنن ، والشرائع المختلفة ، ليتبين من يطيع اللّه فيما أمره ونهاه ، ومن يعصيه . ثم قال :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
يعني : بادروا بالطاعات ، وبالأعمال الصالحة ، وإلى الصف المقدم ، والتكبيرة الأولى . ثم قال :
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
من الدين والسنن يوم القيامة ، فهذا وعيد وتهديد ، لتستبقوا الخيرات ، ولا تتّبعوا البدعة ، ولا تخالفوا الكتاب . ثم قال :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
وذلك أن يهود بني النضير قالوا فيما بينهم : اذهبوا بنا إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم لعلنا نفتنه عن دينه . وإنما هو بشر فأتوه . فقالوا : يا محمد إنك قد عرفت أنّا أحبار اليهود ، وأشرافهم ، وسادتهم ، وأنّا إن اتبعناك اتبعك اليهود ، ولن يخالفونا . وإنّ بيننا وبين قومنا خصومة ، فنحاكمهم إليك ، فتقضي لنا عليهم ، فنؤمن بك ، فأبى النبي صلى اللّه عليه وسلم ذلك . فنزلت هذه الآية
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
يعني : اقض بينهم بما في القرآن ،
وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ
في الحكم ،
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ
يعني : يصرفوك ،
عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. وقال في رواية الضحاك : تزوج مجوسي ابنته ، فجاءت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وطلبت نفقتها ، فأمر اللّه تعالى رسوله أن يفرق بينهما بقوله :
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ
. وقال في رواية الكلبي : طلبوا منه بأن يحكم بينهم في الدماء على ما كانوا عليه في الجاهلية فنزل
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ
. قال القتبي : أصل الفتنة الاختبار . ثم يستعمل في أشياء يستعمل في التعذيب كقوله :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ
[ البروج : 10 ] ، وكقوله :
يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ
[ الذاريات : 13 ] وتكون الفتنة الشرك ، كقوله :
وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ *
[ البقرة : 193 ] وتكون الفتنة العبرة ، كقوله :
لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ
[ يونس : 85 ] وتكون الفتنة الصد عن السبيل ، كقوله :
وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ
. ثم قال :
فَإِنْ تَوَلَّوْا
يعني : أبوا أن يرضوا بحكمك ،
فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ
يعني : يعذبهم في الدنيا . قال الكلبي : يعني : بالجلاء إلى الشام ، والإخراج من دورهم . وقال الضحاك : يعني : يريد اللّه أن يأمر بهم إلى النار بذنوبهم .
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 396 | أبو الليث السمرقندي / محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري