قوله تعالى :
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ
ثم قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
يقول من يقدر أن يمنع من عذاب اللّه شيئا
إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً
يعني : لو أراد اللّه أن يهلك عيسى وأمه وجميع الخلق ، ولا يقدر عيسى على ردّ ذلك ، فكيف يكون إلها وهو لا يقدر على دفع الهلاك عن نفسه . ثم قال :
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
يعني خزائن السماوات والأرض ، وجميع الخلق عبيده وإماؤه وحكمه نافذ فيهم . ثم قال :
يَخْلُقُ ما يَشاءُ
لأن نصارى أهل نجران كانوا يقولون : لو كان عيسى بشرا كان له أب ، فأخبر اللّه تعالى على أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب
وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
من خلق عيسى وغيره .
قوله تعالى :
[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 18 إلى 19 ]
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 18 ) يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 19 )
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ
يعني : نحن من اللّه تعالى بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة ، والوالد إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر .
ويقال : معناه نحن أبناء اللّه وأحباؤه . قال اللّه تعالى لمحمد صلى اللّه عليه وسلم :
قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ
يعني يحرقكم لأنهم كانوا مقرّين بأنه يحرقهم أربعين يوما أياما معدودة ، قل لهم فهل رأيتم والدا يحرق ولده أو يحرق محبّه ؟ ففي الآية دليل أن اللّه تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه ، ولا يعذبه بذنوبه ، لأنه احتج عليهم فقال :
فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ
إن كنتم أحباء اللّه تعالى ، وقال في آية أخرى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
[ البقرة : 222 ] ففيه دليل على أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم ، ولا المجاهدين الذين يجاهدون لقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا
[ الصف : 4 ] ثم قال :
بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ
يعني أنتم لستم بأبناء اللّه ولا أحبائه ، ولكن أنتم خلق كسائر خلق اللّه تعالى . ثم قال :
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
أي يتجاوز عمن يشاء فيهديه لدينه
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
فيهينه ويتركه على الكفر
وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما
من الخلق
وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ
يعني إليه المرجع ، فيجزيهم بأعمالهم .