قوله عز وجل :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
، يعني اختاروا الكفر على الإيمان . وفي الآية دليل أن الشراء قد يكون بالمعنى دون اللفظ وهو المبادلة ، لأن اللّه تعالى سمى استبدالهم الضلالة بالهدى شراء ، ولم يكن هنالك لفظ شراء .
قوله تعالى :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
فقد أضاف الريح إلى التجارة على وجه المجاز .
والعرب تقول : ربحت تجارة فلان ، وخسرت تجارة فلان ، وإنما يريدون به أنه ربح في تجارته ، واللّه تعالى أنزل القرآن بلغة العرب على ما يتعارفون فيما بينهم فلذلك قال :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
أي فما ربحوا في تجارتهم .
قوله تعالى :
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
قال بعضهم : معناه وما هم بمهتدين في الحال ، كقوله تعالى :
كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا
[ مريم : 29 ] أي من هو في المهد صبي في الحال .
وقال بعضهم : معناه
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
من قبل لأنهم لو كانوا مهتدين من قبل ، لوفقهم اللّه تعالى في الحال ، ولكن لما لم يكونوا مهتدين من قبل ، خذلهم اللّه تعالى مجازاة لأفعالهم الخبيثة .
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 17 ]
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 )
قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
، روى معاوية بن طلح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن عبد اللّه بن عباس - رضي اللّه عنهما - قال : نزلت هذه الآية في شأن اليهود الّذين هم حوالي المدينة ، فقال :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ
يعني كمثل من كان في المفازة في الليلة المظلمة وهو يخاف السباع ، فأوقد نارا فأمن بها من السباع ،
فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ
طفئت ناره وبقي في الظلمة ، كذلك اليهود الّذين كانوا حوالي المدينة كانوا يقرون بالنبي صلى اللّه عليه وسلم قبل أن يخرج ، وكانوا إذا حاربوا أعداءهم من المشركين يستنصرون باسمه فيقولون بحق نبيك أن تنصرنا ، فلما أخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم وقدم المدينة ، حسدوه وكذبوه وكفروا به فطفئت نارهم وبقوا في ظلمات الكفر .
وقال مقاتل : نزلت في المنافقين ، يقول : مثل المنافق مع النبي صلى اللّه عليه وسلم كمثل رجل في مفازة فأوقد نارا فأمن بها على نفسه وأهله وعياله وماله ، فكذلك المنافق يتكلم بلا إله إلا اللّه مرآة الناس ، ليأمن بها على نفسه وأهله وعياله وماله ويناكح مع المسلمين ، وكان له نور بمنزلة المستوقد النار يمشي في ضوءها ما دامت ناره تتقد ، فلما أضاءت النار أبصر ما حوله بنورها وذهب نورها فبقي في ظلمة .