وروي في بعض الأخبار أن موسى بن عمران - عليه السلام - حين رفع إلى السماء ، سأل بعض الملائكة ؛ أينام ربنا ؟ وقال بعضهم : خطر ذلك بقلبه ، ولم يتكلم به فأمره اللّه تعالى أن يأخذ زجاجتين ، وأمره بأن يحفظهما ، ثم ألقى عليه النوم فلم يملك نفسه حتى نام ، فانكسرت الزجاجتان في يده فقال له : يا موسى لو كان لي نوم ، لهلكت السماوات والأرض أسرع من كسر الزجاجتين في يدك فذلك قوله تعالى :
لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ
.
لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
. كلهم عبيده وإماؤه وهو مستغن عن الشريك ، ويقال : معناه أن كل ما في السماوات والأرض يدل على وحدانيته .
مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ
، يقول : من ذا الذي يجترئ أن يشفع عنده
إِلَّا بِإِذْنِهِ
دون أمره ، ردا لقولهم حيث قالوا : هم شفعاؤنا عند اللّه . وفي الآية دليل على إثبات الشفاعة لأنه قال :
إِلَّا بِإِذْنِهِ
ففيه دليل على أن الشفاعة قد تكون بإذنه للأنبياء والصالحين .
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
، يعني اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم ، هو الذي يعلم ما بين أيديهم من أمر الدنيا ، يعني يعلم أن الأصنام لا يدعون الألوهية .
وَما خَلْفَهُمْ
، يعني يعلم أنه لا شفاعة لهم . وقال مقاتل :
يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ
، يعني ما كان قبل خلق الملائكة
وَما خَلْفَهُمْ
، أي ما يكون بعد خلقهم . وقال الزجاج : يعني يعلم الغيب الذي تقدمهم والغيب الذي يأتي من بعدهم . وقال الكلبي : يعلم ما بين أيديهم من أمر الآخرة وما خلفهم من أمر الدنيا .
ثم قال :
وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ
، يعني الملائكة لا يعلمون الغيب ، لأن بعض الناس يعبدون الملائكة ويرجون شفاعتهم . فأخبر أنهم لا يملكون شيئا ولا يعلمون مما تقدمهم ولا مما بعدهم ، إلا بما أنبأهم اللّه تعالى . ويقال : لا يدركون جميع علمه . والإحاطة في اللغة : إدراك الشيء بكماله
إِلَّا بِما شاءَ
فيعلمهم .
ثم أخبر عن عظمته فقال تعالى :
إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
، أي ملأ كرسيه السماوات والأرض .
وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال : السماوات السبع والأرضون السبع تحت جنب الكرسي كحلقة بأرض فلاة . وهكذا قال الكلبي ومقاتل : وقال بعضهم : الكرسي هو المكان الذي خلق اللّه فيه السماوات والأرض . وقال بعضهم : الكرسي والعرش واحد ، ولكنه مرة ذكر بلفظ العرش ومرة ذكر بلفظ الكرسي . وقال بعضهم : الكرسي غير العرش .
قال الفقيه : حدثنا عبد الرحمن بن محمد قال : حدثنا فارس بن مردويه قال : حدثنا محمد بن الفضيل قال : حدثنا أبو مطيع ، عن حماد بن سلمة ، عن عاصم بن بهدلة - وهو