تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
ثم قال تعالى :
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً
. نزلت في جميلة بنت عبد اللّه بن أبي ابن سلول ، وزوجها ثابت بن قيس ؛ وكانت تبغضه ، فأتت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقالت : لا أنا ولا ثابت فقال لها : « أتردّين عليه حديقته ؟ » فقالت : نعم وزيادة . فقال : « أمّا الزيادة ، فلا » . فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زوجها وخلعها من زوجها ، فذلك قوله تعالى :
وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً
من المهر ؛
إِلَّا أَنْ يَخافا
، يعني : يعلما
أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
، أي أمر اللّه فيما أمر ونهى . قرأ حمزة
يَخافا
بضم الياء على فعل ما لم يسم فاعله ، والباقون : بالنصب . وقرأ ابن مسعود : إلّا أن يخافوا . ثم قال :
فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
، يقول : إن علمتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام ،
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ
، أي لا حرج على الزوج أن يأخذ ممّا افتدت به المرأة ، إن كان النشوز من قبل المرأة . فأما إذا كان النشوز من قبل الزوج ، فلا يحل له أن يأخذ ، بدليل ما قاله في آية أخرى :
وَآتَيْتُمْ إِحْداهُنَّ قِنْطاراً فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً
[ النساء : 20 ] . ثم قال تعالى :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
، أي أحكامه وفرائضه ؛
فَلا تَعْتَدُوها
، أي لا تجاوزوها .
وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ
، أي يتجاوز أحكام اللّه وفرائضه بترك ما أمر اللّه تعالى أو بعمل ما نهاه ؛
فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ
، يقول : الضارون الشاقون بأنفسهم . ويقال :
تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
، يعني الطلاق مرتان ، فلا تجاوزوهما إلى الثالثة . ومن يتعد حدود اللّه بالتطليقة الثالثة ، فأولئك هم الظالمون ؛
فَإِنْ طَلَّقَها
الثالثة ،
فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ
الثالثة ،
حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
، أي تتزوج بزوج آخر ويدخل بها ؛ وإنما عرف الدخول بالسنة . وهو ما روي عن ابن عباس أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا ، وكانت تدعى تميمة بنت وهب ، فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير ، فأتت النبي صلى اللّه عليه وسلم وقالت : إن رفاعة طلقني فبتّ طلاقي ، فتزوجني عبد الرحمن ، ولم يكن عنده إلا كهدبة الثوب فقال لها : « أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ » فقالت : نعم . قال : « ليس ذلك ما لم تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك » . فذلك قوله تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ
، يعني إذا طلقها الثالثة . قوله تعالى :
فَإِنْ طَلَّقَها
، يعني واحدة أو اثنتين ؛
فَلا جُناحَ عَلَيْهِما
، يعني المرأة والزوج
أَنْ يَتَراجَعا
. ويقال : فإن طلقها الزوج الثاني بعد ما دخل عليها ، فلا جناح عليهما - يعني المرأة والزوج الأول - أن يتراجعا ، يعني أن يتزوجها مرة أخرى .
إِنْ ظَنَّا
، يعني إن علما
أَنْ يُقِيما حُدُودَ اللَّهِ
، أي فرائض اللّه ؛ يقول إذا علما أنه يكون بينهما الصلاح بالنكاح الثاني . قوله :
وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ
، أي فرائض اللّه وأمره ونهيه وأحكامه ،
يُبَيِّنُها لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
. ويقال : إنما قال :
لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
، لأن الجاهل إذا بيّن له ، فإنه لا يحفظ ولا يتعاهد ؛ والعالم يحفظ ويتعاهد . فلهذا المعنى خاطب العلماء ولم يخاطب الجهال .
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم ) — صفحة 151 | أبو الليث السمرقندي / محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمري