إلى عرفات فيقف بها . وروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إنّ اللّه تعالى يباهى ملائكته بأهل عرفات ويقول : انظروا إلى عبادي جاءوا من كلّ فجّ عميق شعثا غبرا . اشهدوا ، أنّي قد غفرت لهم » .
ثم قال تعالى :
فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ
، أي فرغتم من أمر حجكم
فَاذْكُرُوا اللَّهَ
باللسان
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
في ذلك الموقف
أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً
؛ يقول : أو أكثر ذكرا ، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم ، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل ، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون ، قال اللّه تعالى : فاذكروني بالخير
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
بالخير ، فإن ذلك الخير مني . وقال عطاء بن أبي رباح : قوله :
كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ
هو كقول الصبي : أبه أبه ، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله : أب أب . ويقال فاذكروا اللّه كذكركم آباءكم لأبيكم آدم ، لأنه لا أب له ، بل أشد ذكرا ، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات .
ثم قال تعالى :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا : اللهم ارزقنا إبلا وبقرا وغنما وعبيدا وإماء وأموالا ، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة ، فأنزل اللّه تعالى :
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا
.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ
، أي من نصيب .
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
؛ قال ابن عباس : يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
، أي الجنة . وقال القتبي :
الحسنة النعمة كقوله :
إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ
[ التوبة : 50 ] ، أي نعمة . وقال الحسن البصري :
آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً
، أي العلم والعبادة
وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
، أي الجنة قال الإمام : حسنة الدنيا ، ثوابك ، وقوت من الحلال يكفيك ، وزوجة صالحة ترضيك ، وعلم إلى الحق يهديك ، وعمل صالح ينجيك . وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات ، وعفو السيئات ، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات ، والفوز بالدرجات
وَقِنا عَذابَ النَّارِ
، أي ادفع عنا عذاب النار .
أُولئِكَ
، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء
لَهُمْ نَصِيبٌ
، أي حظ
مِمَّا كَسَبُوا
من حجهم . ويقال : لهم ثواب مما عملوا . وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا كان على عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة ، فعجّله لي في الدنيا ؛ فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه ، فأخبر بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا ابن آدم إنّك لا تستطيع أن تقوم بعقوبة اللّه تعالى ولكن قل :
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ
. فدعا بها الرجل فبرأ .
ثم قال :
وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ
؛ قال الكلبي : إذا حاسب فحسابه سريع . ويقال : واللّه سريع الحفظ . وقال الضحاك : يعني لا يخالطه العباد في الحساب يوم القيامة ولا يشغله ذلك .