الشهر الحرام ، فنزلت هذه الآية
وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
، أي في طاعة اللّه
الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ
، يعني في الحرم أو في الشهر الحرام ،
وَلا تَعْتَدُوا
بأن تنقضوا العهد وتبدؤوهم بالقتال في الشهر الحرام أو في الحرم .
إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ
، يعني من يبدأ بالظلم .
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
، أي حيث وجدتموهم في الحل والحرم ، والشهر الحرام .
فأمرهم اللّه تعالى بقتل المشركين الذين ينقضون العهد وقوله :
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ
من مكة
وَالْفِتْنَةُ
، أي الشرك باللّه
أَشَدُّ
، أي أعظم عند اللّه
مِنَ الْقَتْلِ
في الشهر الحرام .
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
، أي في الحرم ،
حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ
، أي يبدؤوكم بالقتال .
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ
، أي بدءوكم بالقتال
فَاقْتُلُوهُمْ كَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ
، أي هكذا جزاؤهم القتل في الحرم وغيره . قرأ حمزة والكسائي :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ
بغير ألف
حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ
،
فَإِنْ قاتَلُوكُمْ
وقرأ الباقون في هذه المواضع الثلاثة : بالألف . فمن قرأ بالألف فهو من المقاتلة ؛ ومن قرأ بغير ألف فمعناه لا تقتلوهم حتى يقتلوا منكم .
فَإِنِ انْتَهَوْا
عن قتالكم ،
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
؛ أي إذا أسلموا . وهذا كقوله :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ
[ الأنفال : 38 ] .
وَقاتِلُوهُمْ
، يعني أهل مكة
حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ
، يعني الشرك باللّه ،
وَيَكُونَ الدِّينُ
كله
لِلَّهِ
، يعني الإسلام .
فَإِنِ انْتَهَوْا
عن قتالكم وتركوا الشرك
فَلا عُدْوانَ
، يقول لا سبيل ولا حجة عليهم في القتل ،
إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ
الذين بدءوكم بالقتال . وقال القتبي : أصل العدوان الظلم ، يعني لا جزاء للظلم إلا على الظالمين .
فسار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه حتى دخلوا مكة ، وطافوا بالبيت ، ونحروا الهدي ، وأقاموا بمكة ثلاثة أيام ثم انصرفوا فنزلت هذه الآية :
الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ
، يعني الشهر الحرام الذي دخلت فيه الحرم بالشهر الحرام الذي صدوكم عنه العام الأول وهو ذو القعدة
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
أي ما اقتصصت لكم في ذي القعدة كما صدوكم . ويقال : إذا قاتلوكم في الشهر الحرام فقاتلوهم في الشهر الحرام
وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ
، يعني قتالكم يكون لقتالهم قصاصا ، فكما تركوا الحرمة فأنتم تتركون أيضا ذلك .
ويقال : إن سبب نزول هذه الآية أن المشركين سألوا المسلمين فقالوا : في أي شهر يحرم عليكم القتال ؟ وأرادوا أن يقفوا على ذلك ، حتى يقاتلوهم في الشهر الذي حرم القتال على المؤمنين ، فنزل قوله :
وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ
، أي في وقت قاتلكم المشركون حل لكم قتالهم . ثم قال تعالى :
فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ
، أي قاتلكم في الشهر الحرام
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ
، أي قاتلوهم فيه وإنما سمي الثاني اعتداء ، لأنه مجازاة الاعتداء فسمي بمثل اسمه . وهذا كقوله عز وجل :
وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ