وبلغ النّاصر داود ذلك وهو بحلب ، فعظم ذلك عليه . ثمّ لم يلبث الصّالح أن مات ، وتملّك بعده ابنه توران شاه قليلا ، وقتل ، فعمد الطّواشيّ فأخرج الملك المغيث عمر بن الملك العادل بن السّلطان الملك الكامل من حبس الكرك ، وملّكه الكرك والشّوبك .
وجاء صاحب حلب فتملّك دمشق ، ثمّ مرض بها مرضا شديدا ، ومعه الصّالح إسماعيل والنّاصر داود . فقيل إنّ داود سعى في تلك الأيّام في السّلطنة . فلمّا عوفي السّلطان بلغه ذلك ، فقبض عليه وحبسه بحمص ، ثمّ أخرج عنه بعد مدّة بشفاعة الخليفة ، فتوجّه إلى العراق فلم يؤذن له في دخول بغداد ، فطلب وديعته فلم يحصل له . ثمّ ردّ إلى دمشق . ثمّ سار إلى بغداد في سنة ثلاث وخمسين بسبب الوديعة ولجج ، وكتب معه النّاصر صاحب الشّام كتابا إلى الخليفة يشفع فيه في ردّ وديعته ، ويخبر برضاه عنه ، فسافر ونزل بمشهد الحسين بكربلاء وسيّر إلى الخليفة قصيدة يمدحه ويتلطّفه ، فلم ينفع ذلك .
وهذه القصيدة :
مقامك أعلى [ ( 1 ) ] في النّفوس [ ( 2 ) ] وأعظم * وحلمك أرجى في النّفوس وأكرم
فلا عجب إن غصّ بالشّعر [ ( 3 ) ] شاعر * وفوّه مصطكّ اللّهاتين معجم
إليك أمير المؤمنين توجّهي * بوجه رجاء عنده منك أنعم
إلى ماجد يرجوه كلّ ممجّد * عظيم ولا يرجوه [ ( 4 ) ] إلّا معظّم
ركبت إليه ظهر يهماء [ ( 5 ) ] قفرة * بها تسرج الأعداء خيلا وتلجم
وأشجارها ينع ، وأحجارها لمى [ ( 6 ) ] * وأعشابها نبل ، وأمواهها دم
رميت فيافيها بكلّ نجيبة * بنسبتها يعلو الجذيل وشدقم
تجاذبنا فضل الأزمّة بعد ما * براهنّ موصول من السّير مبرم
هامش
[ ( 1 ) ] في الأصل : « أعلا » .
[ ( 2 ) ] في الفوائد الجليّة 230 « في الصدور » .
[ ( 3 ) ] في الفوائد الجليّة 230 « غصّ بالقول » .
[ ( 4 ) ] في الفوائد الجليّة 230 « فلا يغشاه » .
[ ( 5 ) ] في الأصل : « سماء » .
[ ( 6 ) ] في الفوائد : « ظبي » .