الأمراض ، وزيّنت بلاده ، وبعث إليها الطّواشيّ بدر الدّين الصّوابيّ نائبا ، وقدم عليه آل النّاصر داود فبالغ في إكرامهم وأقطعهم أجنادا جليلة .
إلى أن قال ابن واصل في سيرة الصّالح : وكان مهيبا ، عزيز النّفس ، أبيّها ، عاليها ، حيّيا ، عفيفا ، طاهر اللّسان والذّيل ، لا يرى الهزل والعبث ، شديد الوقار ، كثير الصّمت . اشترى من المماليك التّرك ما لم يشتره أحد من أهل بيته ، حتّى صاروا معظم عسكره ، ورجّحهم على الأكراد وأمّرهم ، واشترى وهو بمصر خلقا منهم وجعلهم بطانته والمحيطين بدهليزه وسمّاهم [ ( 1 ) ] البحريّة [ ( 2 ) ] .
حكى لي حسام الدّين ابن أبي عليّ أنّ هؤلاء المماليك مع فرط جبروتهم وسطوتهم كانوا أبلغ من يعظّم هيبة السّلطان ، فكان إذا خرج وشاهدوا صورته يرعدون خوفا منه ، وأنّه لم يقع منه في حال غضبه كلمة قبيحة قطّ ، أكثر ما يقول إذا شتم : يا متخلّف .
وكان كثير الباه لجواريه فقط ، ولم يكن عنده في آخر وقت غير زوجتين ، إحداهما شجر الدّرّ ، والأخرى بنت العالمة تزوّجها بعد مملوكه الجوكندار .
وكان إذا سمع الغناء لا يتزعزع ولا يتحرّك ، وكذلك الحاضرون يلتزمون حالته كأنّما على رؤوسهم الطّير . وكان لا يستقلّ أحد من أرباب دولته بأمر ، بل يراجعون بالقصص مع الخدّام ، فيوقّع عليها بما يعتمده كتاب الإنشاء .
وكان يحبّ أهل الفضل والدّين ، وما كان له ميل إلى مطالعة الكتب .
وكان كثير العزلة والانفراد .
قال ابن واصل : كان لا يجتمع بالفضلاء لأنّه لم يكن له مشاركة بخلاف أبيه ، وكان اجتماعه بالنّاس قليلا ، بل كان يقتصر على ندمائه المعروفين بحضور مجلسه . وكان له نهمة في اللّعب بالصّوالجة ، وفي إنشاء الأبنية العظيمة الفاخرة .
هامش
[ ( 1 ) ] في الأصل : « وسماعهم » وهو خطأ .
[ ( 2 ) ] سير أعلام النبلاء 23 / 191 ، 192 .