يصادق ملوك الأطراف ويباطنهم ويلاطفهم ، ويوهمهم أنّه لولا هو لقد كان العادل يقصدهم ، ويوهم عمّه أنّه لولا هو لم يطعه أحد من الملوك ولكاشفوه بالشّقاق ، فكان بهذا التّدبير يستولي على الجهتين ، ويستعبد الفريقين ، ويشغل بعضهم ببعض . وكان كريما معطاء ، يغمر الملوك بالتّحف ، والرّسل بالنّحل [ ( 1 ) ] ، والشّعراء والقصّاد بالصّلات . وتزوّج بابنة العادل وماتت معه ، ثمّ تزوّج بأختها ، فكان له عرس مشهود ، وجاءت منه بالملك العزيز في أول سنة عشر ، وأظهر السّرور بولادته ، وبقيت حلب مزيّنة شهرين ، والنّاس في أكل وشرب ، ولم يبق صنفا من أصناف النّاس إلّا أفاض عليهم النّعم ، ووصلهم بالإحسان ، وسيّر إلى المدارس والخوانك الغنم والذّهب ، وأمرهم أن يعملوا الولائم ، ثمّ فعل ذلك مع الأجناد والغلمان والخدم ، وعمل للنّساء دعوة مشهودة أغلقت لها المدينة . وأمّا داره بالقلعة فزيّنها بالجواهر وأواني الذّهب الكثيرة ، وكان حين أمر بحفر الخراب حول القلعة وجد عشرين لبنة ذهب فيها قنطار بالحلبي ، فعمل منها أربعين قشوة [ ( 2 ) ] بحقاقها ، وختن ولده الأكبر أحمد ، وختن معه جماعة من أولاد المدينة ، وقدّم له تقادم جليلة فلم يقبل منها شيئا رفقا بهم ، لكن قبل قطعة سمندل طول ذراعين في ذراع ، فغمّسوها في الزّيت وأوقدوها حتّى نفد الزّيت ، وهي ترجع بيضاء فالتهوا بها عن جميع ما حضر .
وكان عنده من أولاد أبيه وأولاد أولادهم مائة وخمسة وعشرون نفسا ، وزوّج الذّكور منهم بالإناث ، وعقد في يوم واحد خمسة وعشرين عقدا بينهم ، ثمّ صار كلّ ليلة يعمل عرسا ويحتفل له ، وبقي على ذلك مدّة رجب وشعبان ورمضان . وكان بينه وبين سلطان الروم عزّ الدّين كيكاوس بن كيخسرو صداقة مؤكّدة ومراسلات ، ومرض نيّفا وعشرين يوما ، وأوصى أن يكون الخادم طغريل دزدار [ ( 3 ) ] القلعة ، وأن يكون شمس الدّين ابن أبي يعلى الموصلي وزيرا كما كان ، ولا يخرج أحد عن أمره ، وسيف الدّين ابن جندر أتابك الجيش . وكان القاضي
هامش
[ ( 1 ) ] النّحل : العطاء .
[ ( 2 ) ] القشوة : القفّة .
[ ( 3 ) ] الدزدار : لفظة فارسية ، معناها : حاكم القلعة .