وقال جمال الدّين القفطيّ [ ( 1 ) ] : أبو اليمن الكنديّ آخر ما كان ببغداد سنة ثلاث وستّين وخمسمائة ، واستوطن حلب مدّة ، وصحب بها الأمير بدر الدّين حسن ابن الدّاية النّوريّ وإليها . وكان يبتاع الخليع من الملبوس ويتّجر به إلى بلد الرّوم . ثمّ نزل دمشق ، وصحب عزّ الدّين فرّوخ شاه ، واختصّ به ، وسافر معه إلى مصر ، واقتنى من كتب خزائنها عندما أبيعت . ثمّ استوطن دمشق وقصده النّاس . وكان ليّنا في الرواية معجبا بنفسه فيما يذكره ويرويه ، وإذا نوظر جبّه بالقبيح ، ولم يكن موفّق القلم ، رأيت له أشياء باردة . قال : واشتهر عنه أنّه لم يكن صحيح العقيدة .
قلت : قوله : لم يكن صحيح العقيدة ، فيه نظر إلّا أن يكون أنّه على عقيدة الحنابلة ، فاللَّه أعلم .
وقال الموفّق عبد اللّطيف : اجتمعت بالكنديّ النّحويّ ، وجرى بيننا مباحثات . وكان شيخا بهيّا ، ذكيّا ، مثريا ، له جانب من السّلطان ، لكنّه كان معجبا بنفسه ، مؤذيا لجليسه .
قلت : لأنّه آذاه ولقّبه بالمطحن .
قال [ ( 2 ) ] : وجرت بيننا مباحثات فأظهرني اللَّه عليه في مسائل كثيرة ، ثمّ إنّي أهملت جانبه ! وقال أبو الطّاهر الأنماطيّ : توفّي الكندي في خامس ساعة من يوم الاثنين سادس شوّال [ ( 3 ) ] ، وصلّى عليه بجامع دمشق بعد صلاة العصر القاضي ابن الحرستانيّ ، وبظاهر باب الفراديس الحصريّ الحنفيّ ، وبالجبل الشيخ الموفّق ، ودفن بتربة له ، وعقد العزاء له تحت النّسر يومين ، وانقطع بموته إسناد عظيم وكتب كثيرة [ ( 4 ) ] .
هامش
[ ( 1 ) ] هو علم الدّين أبو الحسن السخاوي ، شيخ القراء .
[ ( 2 ) ] يعني : الموفّق عبد اللطيف البغدادي .
[ ( 3 ) ] وقع في معجم الأدباء 11 / 173 أنه توفى سنة سبع وتسعين وخمسمائة .
[ ( 4 ) ] وقال ابن نقطة : كان مكرما للغرباء حسن الأخلاق ، فيه مزاح ، وكان من أبناء الدنيا المشتغلين بها