وذكر أبو جعفر القرطبيّ إمام الكلّاسة أنّه لمّا انتهى في القراءة إلى قوله تعالى :
هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ
[ ( 1 ) ] سمعه وهو يقول : صحيح . وكان ذهنه غائبا قبل ذلك . ثمّ توفّي . وهذه يقظة عند الحاجة .
وغسّله الدّولعيّ ، وأخرج في تابوت ، وصلّى عليه القاضي محيي الدّين بن الزّكيّ ، وأعيد إلى الدّار الّتي في البستان الّتي كان متمرّضا فيها .
ودفن بالضّفّة الغربيّة منها . وارتفعت الأصوات بالبكاء ، وعظم الضّجيج ، حتّى إنّ العاقل يتخيّل أنّ الدّنيا كلّها تصيح صوتا واحدا .
وغشي النّاس من البكاء والعويل ما شغلهم عن الصّلاة ، وصلّى عليه النّاس أرسالا ، وتأسّف النّاس عليه ، حتّى الفرنج ، لما كان عليه من صدق وفائه إذا عاهد . ثمّ بنى ولده الملك الأفضل صاحب دمشق قبّة شماليّة إلى الجامع ، وهي الّتي شبّاكها القبليّ إلى الكلّاسة ، ونقله إليها يوم عاشوراء من سنة اثنتين وتسعين ، ومشى بين يدي تابوته . وأراد العلماء حمله على أعناقهم ، فقال الأفضل : يكفيه أدعيتكم الصّالحة . وحمله مماليكه ، وأخرج إلى باب البريد ، فصلّي عليه قدّام النّسر . وتقدّم في الإمامة القاضي محيي الدّين بإذن ولده . ودخل الأفضل لحده ، وأودعه وخرج ، وسدّ الباب . وجلس هناك للعزاء ثلاثة أيّام ، وذلك خلاف العادة ، وخلاف السّنّة .
كان رحمه اللَّه كريما ، جوادا ، بطلا ، شجاعا ، كامل العقل والقوى ، شديد الهيبة ، افتتح بسيفه وبأقاربه من اليمن إلى الموصل ، إلى أوائل الغرب ، إلى أسوان .
وفي « الروضتين » [ ( 2 ) ] لأبي شامة إنّ السّلطان رحمه اللَّه لم يخلّف في خزائنه من الذّهب والفضّة إلّا سبعة وأربعين درهما ، ودينارا واحدا صوريّا .
ولم يخلّف ملكا ولا عقارا ، وخلّف سبعة عشر ولدا ذكرا ، وابنة صغيرة .
هامش
[ ( 1 ) ] سورة الحشر ، الآية 22 .
[ ( 2 ) ] ج 2 / 262 .