أما من ناحية الدليل : فهو مما لا يكاد يخفى ، فإن دليل اعتبار كل أصل إنما
يقتضي جريانه عينا ، سواء عارضه أصل آخر أولا ، وليس في الأدلة ما يوجب
التخيير عند التعارض .
وأما من ناحية المدلول : فلأن المجعول فيها ليس إلا الحكم بتطبيق العمل
على مؤدى الأصل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع القيود الثلاثة ،
وهي : الجهل بالواقع ، وإمكان الحكم على المؤدى بأنه الواقع ، وعدم
لزوم المخالفة العملية ، وحيث إنه يلزم من جريان الأصول في أطراف
العلم الإجمالي مخالفة عملية فلا يمكن جعلها جميعا ، وكون المجعول
أحدها تخييرا ممكن إلا أنه لا دليل عليه ، لامن ناحية أدلة الأصول ، ولامن
ناحية المجعول فيها . وقياسها بباب الأمارات على السببية ليس في محله ، لأن
المجعول فيها مما يقتضي التخيير ، لاندراجها في باب التزاحم ( 1 ) انتهى .
وفيه مواقع للنظر نشير إلى بعض :
منها : أن ما أفاد - من أن التخيير في الصورة الأولى من مقتضيات
الكاشف والدال لا المنكشف والمدلول ، فإن المجعول في كل من العام والخاص
هو الحكم التعييني - ليس في محله ، فإن دوران الأمر في المخصص بين التعيين
والتخيير - أي خروج الفردين مطلقا ، أو خروج كل منهما مشروطا بدخول
الآخر - موجب للحكم بالتخيير ، فإنه القدر المتيقن من التصرف في العام ،
وإلا فلو علم أن المجعول في كل من العام والخاص هو الحكم التعييني ،
هامش
( 1 ) فوائد الأصول 4 : 28 وما بعدها .