وجود النفس قبل البدن ، لأن النفس تحدث عند حدوث الأبدان وتهيئها مع الإفاضة من العلل المفارقة ، فكل بدن يستحق بذاته نفسا . ويضيف إلى هذا الدليل دليلا نفسانيا جديدا ، وهو أن كل حيوان يشعر بنفسه نفسا واحدة هي المصرفة والمدبرة . يريد أن يقول إذا سلمنا بالتناسخ ، وجب أن يكون نفسان في بدن واحد ، الأولى المتناسخة ، والثانية الحادثة مع حدوث البدن الملائم ، ولما كان الإنسان لا يستشعر نفسه إلا نفسا واحدة ، فلا تناسخ .
وقد فصّل هذا الكلام الموجز في كتاب آخر ، هو رسالة الأضحوية « 1 » .
- 6 - أخطر ما في هذه الرسالة هو الفصل الثالث عشر الخاص بالنبوة ، وقد بيّنا أن هذا الفصل بأكمله ليس موجودا في « النجاة » ، وقلنا لعل الناسخ أضاف إلى الرسالة الفصل الأخير الّذي يحذر فيه من اطلاع من ليس أهلا للعلم بسبب الكلام في النبوة . ومع ذلك فنحن نجد لابن سينا الآراء الخاصة بالنبوة وتفسيرها نفسانيا في رسالتين ، إحداهما مطبوعة ، وهي رسالة الفعل والانفعال « 2 » ، والأخرى في المبدأ والمعاد « 3 » . ولعله أودع هذه الآراء رسائل أخرى مما لم يتيسر لنا الاطلاع عليه لأنها لا تزال مخطوطة .
أما الأصول التي يعتمد عليها ابن سينا في تفسير النبوة فهما أصلان ، الأول خارج عنا ، والثاني في أنفسنا . أما الأصل الأول فهو أن العالم الأرضي بما فيه من كليات وجزئيات مرتسم في العالم السماوي . ويرجع الأصل الثاني إلى قوة العقل النظري الّذي يتصل بالكليات ، وإلى التخيل مع العقل العملي الّذي يتصل بالجزئيات .
يقول ابن سينا في هذه الرسالة إن المحرك للحركات السماوية جوهر نفساني يتعقل الجزئيات ، لأن حركتها جزئية واختيارية ، فالمحرك لها مدرك للجزئيات .
هامش
( 1 ) الأضحوية - نشر سليمان دنيا - مطبعة الاعتماد 1949 - ص 18 - 93 .
( 2 ) طبع حيدرآباد الهند 1353 ه .
( 3 ) ينوى الأستاذ شارل كوينتز طبعها ، وقد اطلعت على النسخة المخطوطة .