- 5 - هل النفس موجودة قبل البدن ، ثم تهبط إليه ، كما قال في العينية ؟
الحق أنّ مطلع قصيدة النفس ، الّذي يقول فيه « هبطت إليك من المحل الأرفع ورقاء . . . » إما أن يكون على سبيل الرمز ، فتفسر الورقاء تفسيرا غير مادي ، وإما أن تكون القصيدة كلها لغير ابن سينا ، كما شك أحمد أمين بك في نسبتها إليه « 1 » ، لعلو نظمها بالقياس إلى قصائده الأخرى . وإذا نحن شككنا في أمر القصيدة العينية ، فإنما يقوم شكنا على أساس آخر ، هو مخالفة ما جاء فيها من آراء أساسية مع ما نجده في هذه الرسالة وفي غيرها .
فالنفس ، في هذا الكتاب ، حادثة مع حدوث البدن ، ولم تكن موجودة وجودا سابقا ثم هبطت إلى البدن وألفت جواره .
ذلك أنها إن كانت موجودة قبل البدن ، فإما أن تكون واحدة ، أو كثيرة بعدد الأبدان التي تحل فيها .
وليست النفس واحدة ، لأنه إذا حصل بدنان ، حصل في البدنين نفسان وتنقسم بذلك النفس الواحدة ، وهذا ظاهر البطلان ، أو تكون النفس الواحدة في بدنين في آن واحد ، وهذا لا يحتاج إلى تكلف في إبطاله . وعندنا أن هذا البرهان شبيه بالنقد الموجود في محاورة « بارمنيدس » لنظرية المثل وحلولها في الأجسام الجزئية .
وليست النفس متكثرة بحسب عدد الأبدان ، ذلك لأن النفس « ماهية فقط » ، والماهية أو الصورة واحدة لا تنقسم .
الخلاصة أنّ النفس تحدث كلما يحدث البدن الصالح لاستعمالها إياه ، ويكون ذلك البدن مملكتها وآلتها .
هامش
( 1 ) انظر عدد مجلة الثقافة الخاص بابن سينا .