فالعقل العملي هو الّذي يتسلط على البدن ويسوسه ، فتنشأ عن ذلك الأخلاق .
والأخلاق عند ابن سينا مثل أرسطو من قبل ، ملكة التوسط بين الإفراط والتفريط ، أي أنّ الأخلاق ، من فضائل ورذائل ، ليست نظرية تدرك بالعلم فقط ، بل عملية لا بد فيها من الممارسة والفعل ، على عكس الفضيلة السقراطية التي تذهب إلى أن العلم هو الفضيلة . ومن شروط الأخلاق الفاضلة أن تذعن القوى الحيوانية للعقل العملي ، وأن يذعن العقل العملي للقوة النظرية .
أما العقل النظري فهو عدة درجات ، أولها العقل الهيولاني وهو قوة مطلقة ، أو استعداد محض ، وهذا العقل موجود لكل شخص طفلا كان أم بالغا ، مثل قوة الطفل على الكتابة .
ثم العقل بالملكة ، وهو العقل الّذي تكون قد حصلت فيه المعقولات الأولى كالبديهيات ، مثل أن الكل أعظم من الجزء .
ثم العقل المستفاد ، وهو العقل الّذي تكون قد حصلت فيه المعقولات الثانية ، مثل الكاتب المستكمل الصناعة إذا كتب .
ولا تعنينا كثيرا هذه الأسماء ، فهو يتابع فيها إلى حد كبير الإسكندر الإفروديسى الّذي أخذ عنه الكندي في مقالة العقل ، ثم الفارابي « 1 » من بعد .
وإنما يهمنا أن نعرف كيف يبين ابن سينا تكوّن المعقولات ، أو كيف يدرك العقل الكليات .
والإدراك مراتب ، وأدنى مرتبة منها هو الإدراك الحسى ، وهو انتقال صورة الشيء الخارجي إلى الذهن . ولكن الشيء الخارجي مركب من مادة ، فإذا انتقلت صورته المدركة عن طريق الحواس إلى الذهن فهي غير مادية ، ولو أنها لم تتجرد تماما عن لواحق المادة .
هامش
( 1 ) انظر مقدمة كتاب النفس لابن رشد وأربع رسائل : نشر أحمد فؤاد الأهوانى ، مكتبة النهضة 1950 .