ولا نود أن ندخل في مناقشة المعنى الّذي يقصده ابن سينا من الكمال الأول ، فهو يختلف عن المعنى الّذي ذهب إليه أرسطو في كتاب النفس .
ولكنا نود أن نشير إلى رأى قلّ أن يصادفه الباحث في كتبه الأخرى ، نعنى به التمييز بين النفس والعقل ، فالنفس تقال « عند وجودها فعالة في جسم من الأجسام » ، « أما إذا فارقت فالأشبه أن تسمى العقل » .
مهما يكن من شيء ، فإن الصلة بين النفس والعقل صلة دقيقة غامضة ، وقد نجد اضطرابا عند ابن سينا نفسه حين يجعل العقل قوة من قوى النفس ، وحين يحدثنا في مكان آخر « 1 » أن العقل فاض عن الأول ، ثم فاضت عنه النفس ، فكأنه يذهب مذهب أفلوطين حين يقدم العقل على النفس .
ولكن الأرجح في مذهب ابن سينا هو أن العقل قوة من قوى النفس ، وأن النفس عند مفارقتها البدن قد تسمى نفسا ، ولكن الأصح أن يقال عنها العقل .
والقوى النفسانية هي القوى ذاتها التي ذهب إليها أرسطو من قبل ، وهي ثلاث :
النباتية ، والحيوانية ، والإنسانية . ووظائف النباتية التغذى والنمو والتوليد ؛ والحيوانية إدراك الجزئيات والتحرك بالإرادة ؛ وتختص النفس الإنسانية « 2 » بأنها تدرك الكليات ، وتفعل الأفاعيل بالاختيار الفكري والاستنباط بالرأي .
ولما كان غرض ابن سينا من هذا الكتاب البحث في النفس الإنسانية بوجه خاص ، ومعرفة بقائها ومعادها ، فلذلك أشار في إيجاز إلى النفس النباتية وقواها ووظائفها ، وكذلك أوجز القول في حركة الحيوان ، ولكنه أطنب في وصف القوى المدركة ، ووقف عند القوى الباطنة وقوفا طويلا لأن بعضها - وبخاصة المتخيلة - لها أثر كبير في تفسير البنوة وكثير من الظواهر النفسية الأخرى .
هامش
( 1 ) رسالة في النفس الناطقة - نشرها ثابت الفندى .
( 2 ) انظر ما نشرته في عدد الثقافة الخاص بابن سينا مارس 1952 عن التمييز بين الحيوان والإنسان .