تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ
- إلى قوله -
فِي الْيَمِّ نَسْفاً
معناه على التحقيق : أنّ موسى عليه السلام لما شرّف بمقام المكالمة وأوتي كشف الصفات وبعث لإنقاذ بني إسرائيل وإرشادهم إلى الحق وعد شريعة يسوس بها قومه ، فاستخلف هارون على قومه وتخلى للمراقبة قبل تثبتهم على الإيمان وتقريرهم على الحق بالإيقان ، فعوقب على تلك العجلة وإن كانت من غاية الشوق إلى المشاهدة . واقتضاء المقام عدم التفرّغ إلى تكميل الغير لأن في تكميلهم بالمعرفة اليقينية والكمال العلمي ثبات قدمه في الطاعة وامتثال الأمر المستلزم للترقي في الحال ، فاعتذر بكونهم على متابعته في الدين وإن لم تبن معاملتهم على أساس اليقين والتعجيل ، إنما بدر منه لطلب مقام الرضا الذي هو كمال الفناء في الصفات وهو استحكام مقام التجلي الصفاتي الذي منه المكالمة ، وإنما ابتلاهم اللّه بالسامري ليتميز المستعدّ القابل للكمال بالتجريد من القاصر الاستعداد المنغمس في الموادّ الذي لا يدرك إلا المحسوس ولا يتنبّه للمجرد المعقول . ولهذا قالوا :
ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا
أي : بأن ملكنا أمرنا وخلينا ورأينا ، فإنهم عبيد بالطبع لا رأي لهم ولا ملكة وليسوا مختارين بل مطبوعون مسوسون مقودون بدنيون لا طريق لهم إلا التقليد والعمل ، لا التحقيق والعلم . وإنما استعبدهم بالطلسم المفرع من الحلي لرسوخ محبة الذهب في طباعهم لكون نفوسهم سفلية منجذبة إلى الطبيعة الذهبية ، وتجلي تلك الصورة النوعية فيها للتناسب الطبيعي وكان ذلك من باب مزج القوى السماوية بالقوى الأرضية ولذلك قال :
بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ
من العلم الطبيعي والرياضي الذين يبتنى عليهما علم الطلسمات والسيميات .
تفسير ابن عربي — صفحة 31 | ابن عربي / سمير مصطفى رباب