والستر ( بكسر السين وسكون التاء ) بمعنى الحجاب والغطاء وجمعه أستار وبالفتح بمعنى المصدر ، والمراد منه هنا الأول .
والهتك عبارة عن التمزيق والخرق ورفع الحجاب سواء كان بالاختيار أم لا .
وأما السّرّ ( بتشديد الراء وكسر السين ) بمعنى الأمر المخفي كالسريرة .
فيمكن تفسير هذه الجملة الشريفة بوجوه فنقول : قد يقال : إن المراد من الستر الوجود الموهومي الثابت للخلق والكثرات ، ومن السرّ وجوده تعالى الذي هو الوجود الحقيقي قال عليه السّلام : " يا حيّا ليس كمثله حيّ "
وقال عليه السّلام : " يا من كل شيء موجود به ، "
وحينئذ معنى هتك الستر أنه وإن كان الحق خلوا من الخلق والكثرات وبالعكس كما تقدم ، إلا أنه قد يغلب ظهوره تعالى في قلب عبد بحيث يصرفه عما سواه فيذهل عن غيره تعالى ، وهو معنى الهتك أي يرفع مانعية وجود الكثرات عن ظهور الحق والحقيقة ، وإلى هذا الحال أشار الحسين عليه السّلام في قوله : " ألغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك " .
ثم إن وجود الكثرات يعمّ الوجودات المادية أو العقلية ، فالعقل كما علمت أيضا : هو حجاب على الحقيقة فإذا غلب السرّ عليه هتكه فيضمحل العقل حينئذ .
والحاصل أن نور العقل ووجوده العقلي المحدود قد ينطمس وينمحي انطماس نور القمر في نور الشمس ، وذلك عند تجلي السر أعني وجود الحق والحقيقة ، وإليه يرجع ما قيل من أن ستر الحدوث قد ينهتك لغلبة سرّ القدم ، وأما ما قيل من أن المراد من السر الحقيقة ومن الستر الشريعة ، فإذا وصل العبد إلى الحقيقة استغنى عن الشريعة كما قيل : لو ظهرت الحقيقة بطلت الشريعة ، فمردود لوجوه :
منها : أن لازمه وصول الحادث إلى القديم وهو محال كما لا يخفى .
ومنها : أن محمدا وآله الطاهرين هم أكمل الموحدين والعارفين والواصلين ومع أنهم في مقام ظهور الحقيقة لديهم وهم عند الحق ( كما تقدم ) فإنهم لم يرفعوا اليد عن الشريعة ما داموا موجودين كما لا يخفى على أحد .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 332
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٣٣٢