بل الحقيقة هو محو هذه مع صحو صفاته تعالى على ما هي له من غير تحدد بحدود أو تميز بامتيازنا ، وهذا لا يكون إلا بلطف منه تعالى لعبده ، فتكشف له الحقيقة هكذا في حال الجذبة والوله فيه تعالى كما تقدم ، وللأكابر في ظهور هذه الحالة حكايات كثيرة عجيبة ذكرت في محلَّه .
وقد يقال : إن قوله عليه السّلام : " كشف سبحات الجلال من غير إشارة ، "
يشير إلى مرتبة اليقين المجرد الذي هو علم اليقين وغيره فالتمس منه عليه السّلام علم اليقين ، فأجاب عليه السّلام بقوله : " محو الموهوم مع صحو المعلوم ، "
لأن الحقيقة إذا كشف عنها صفات الجلال التي تتعلق بالذات ، أي شاهد بعلم اليقين الذات في مرآة صفات الجلال وأدرك أثر الحقيقة بعلم اليقين ، فلا محالة ينمحي عنه وهمه ، ويزول عنه شكه وظنّه ، وشاهد آثار الحقيقة بنور علم اليقين ، فمحو الموهوم هو كشف صفات الجلال عن الذات ، وصحو المعلوم هو ظهور آثار الحقيقة كما لا يخفى ، هذا ملخص ما نقلناه عن العلامة الحلي ( رضوان اللَّه تعالى عليه ) فتأمل .
وقد يقال أيضا : إن المراد من محو الموهوم مع صحو المعلوم هو إزالة وجود الخلق عند تجلي وجود الحق ، فإنه لما كان وجود الخلق زائلا عبّر عنه بالموهوم ، ولما كان وجود الحقّ ثابتا عبّر عنه بالمعلوم ، فإن العلم عقد ثابت يطابق الواقع ، والوهم ما لا يطابقه ، والحقّ لذاته موجود لا بالاعتقاد الوهمي فاعتقاد الوجود له وهم ، والصحو كما علمت في الأصل ذهاب الغيم وانكشافه عن السماء فاستعاره عليه السّلام بمعنى انكشاف كلمة وجود الخلق عن وجود الحق فتأمل .
وزيادة البيان في هذا الجواب بلحاظ أنه أشير فيه إلى أن وجود الخلق موهوم لا حقيقة له ، وهذا بخلاف الجواب السابق لا إشعار فيه لهذه الجهة .
الأمر السابع : فقال : زدني بيانا ، فقال عليه السّلام : " هتك الستر بغلبة السرّ " .
أقول : وفي بعض النسخ : وغلبة السر ، وفي بعضها : هتك السر لغلبة السر ، فالسر الثاني اسم وضع موضع الضمير كما لا يخفى .
الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة — صفحة 331
مساهمون: الشيخ جواد بن عباس الكربلائي
ص٣٣١