وأمّا المحجوبون
الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
عن الحق
فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ
لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة . كما أن المحققين يتبعون المحكم ، ويتبعونه المتشابه ، فيختارون من الوجوه المحتملة ما يناسب دينهم ومذهبهم
ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ
أي : طلب الضلال والإضلال الذي هم بسبيله
وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ
بما يناسب حالهم وطريقتهم .
إذا اعوج سكين فعوّج قرابه فهم كما لا يعرفون الوجه الباقي في الوجوه ، لزم أن لا يعرفوا المعنى الحق من المعاني ، فيزداد حجابهم ويغلظ ليستحقوا به العذاب
وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
العالمون ، يعلمون بعلمه ، أي : إنما يعلمه اللّه جميعا وتفصيلا
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ
يصدّقون علم اللّه به ، فهم يعلمون بالنور الإيماني
كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا
لأن الكلّ عندهم معنى واحد غير مختلف
وَما يَذَّكَّرُ
بذلك العلم الواحد المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة إلا الذين صفت عقولهم بنور الهداية وجرّدت عن قشر الهوى والعادة .
[ 8 - 12 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : الآيات 8 إلى 12 ]
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ( 8 ) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ( 10 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 11 ) قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 )
رَبَّنا لا تُزِغْ
عن التوجه إلى جنابك ، والسعي في طلب لقائك ، والوقوف ببابك ، بالافتتان بحبّ الدنيا وغلبة الهوى ، والميل إلى النفس وصفاتها ، والوقوف مع حظوظها ولذاتها
بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا
بنورك إلى صراطك المستقيم ، والدين القويم ، وبسبحات وجهك إلى جمالك الكريم
وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً
رحيمية تمحو صفاتنا بصفاتك وظلماتنا بأنوارك
إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُرَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ
أي : يجمعهم ليوم الجمع الذي هو الوصول إلى مقام الوحدة الجامعة للخلائق أجمعين الأولين والآخرين ، فلا يبقى لهم شك في مشهدهم ذلك
لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً
بل هي سبب حجابهم وبعدهم من اللّه وتعذيبهم بعذابه لشدّة تعلقهم بهم ومحبتهم إياهم .
[ 13 ]
[ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 13 ]
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 )
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ
يا معشر السالكين دالة على كمالكم وبلوغكم إلى التوحيد
فِي