تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 43

مساهمون:

ص٤٣
والزهّاد من المسلمين ، وهو المشار إليه بقوله :
وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
وأدنى أحوال حاله هو الهبوط من خشية اللّه ، أي : الانقياد لما أمر اللّه من الميل إلى المركز بالسلاسة . وبقي قلب لم يتأثر قطّ بالعلم ولم يتلين بالخوف آبيا للهدى ، متكبرا ، ممتلئا بالهوى ، متمرّدا ، فلا يوجد من الجواهر ما يشبهه لقبول جميعها ما أمر اللّه به ، فكيف بالحديد الذي يلين لما يراد منه ؟ قال النبي عليه السلام : « مثل ما بعثني اللّه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير ، أصاب أرضا فكانت طائفة منها طيبة قبلت الماء وأنبتت الكلأ والعشب الكثير ، وكانت منها طائفة أجادب « 1 » أمسكت الماء ، فنفع اللّه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا ، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلاء . فذلك مثل من فقه في الدين فعلم وعلّم ، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّه الذي أرسلت به » . فبين عليه السلام القلوب الثلاثة الأخيرة ، والأول من الأربعة هو القلب المحمديّ .
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
تهديد للقاسية قلوبهم ، أي : اللّه مطلع فيحجبهم عن نوره ويتركهم في ظلماتهم ، والآيات التي تتلوها ظاهره . وتأويل الأولى :
أَ فَتَطْمَعُونَ
أن يوحدوا بتوحيد الصفات لأجل هدايتكم
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ
يقبلون صفات اللّه ثم يحرّفونها بنسبتها إلى أنفسهم
مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ
أي : علموا توحيد الصفات وما وجدوه بالعيان
وَهُمْ يَعْلَمُونَ
أن تلك الصفات للّه ، لكن نفوسهم ينتحلونها بالإشراك حالة ذهول العقل عن استيلائها على القلب لعدم كون توحيدهم ملكة وحالا ، بل علما .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
، أي : ويل لمن بقيت منه بقايا صفات النفس وهو لا يشعر بها أو يشعر فيحتال أو لا يحتفل بها فيفعل ويقول بنفسه وصفاتها ، ويدّعي أنه من عند اللّه ليكتسب به حظا من حظوظ النفس ، بل عين ذلك القول والفعل ونسبته إلى اللّه حظ تامّ لها وذنب لا ذنب أقوى منه . ويمكن أن تؤوّل الآيات الثلاث الأول على الوجه الثاني المبني على التطبيق فيقال : أفتطمعون ، أيتها القوى الروحانية ، أن تؤمن هذه القوى النفسانية لأجل هدايتكم منقادة . وقد كان فريق منهم كالوهم والخيال يسمعون كلام اللّه ، أي : يتلقفون المعاني الواردة من عند اللّه على القلب ثم يحرّفونه بالمحاكاة وكثرة الانتقالات وجعلها جزئية ، وإعطائها أحكام الجزئيات كما في المنامات والواقعات . من بعد ما عقلوه ، أي : أدركوه على حاله وهم يعلمون تحريفها وانتقالاتها إلى اللوازم والأشباه والأضداد . وإذا لقوكم بالتوجه نحوكم ، وتلقن مدركاتكم عند حضوركم ، ومشايعتها إياكم ،
هامش
( 1 ) في المطبوع : « أخاذات » . والمثبت من « فتح الباري » ( 1 / 175 ) ، و « صحيح مسلم » ( 4 / 1787 ) .