تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 42

مساهمون:

ص٤٢
بالقاتل . وضرب الذنب إشارة إلى إماتة النفس وتبقية أضعف قواها وآخرها ، وجهتها التي تلي النفس النباتية ورابطتها بها كالحسّ اللمسيّ مثلا وسائر الحواس الظاهرة فإنها ذنبها . وضرب اللسان إشارة إلى تعديل أخلاقها وقواها وتبقية فكرها الذي هو لسانها ، وهما طريقان : طريق الرياضة وإماتة الغضب والشهوة ، كما هو طريق التصوّف وهو بالنفوس القوية الجانية المستولية الطاغية أولى ، وطريق التحصيل وتعديل الأخلاق كما هو سبيل العلماء والحكماء ، وهو بالنفوس الضعيفة والصافية المنقادة اللينة أولى . فضربوه ، فقام وأوداجه تشخب دما ، وأخبر بقاتليه ، أي : صار حيا قائما بالحياة الحقيقية وعليه أثر القتل لتعلقه بالبدن وتلوّثه بمطالبه بحسب الضرورة ، وعرف حال القوى البدنية في منعها إياه عن إدراكه وحجبها له عن نوره .
كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
أي : مثل ذلك الإحياء العظيم ، يحيي اللّه موتى الجهل بالحياة الحقيقية العملية
وَيُرِيكُمْ
دلائله وآيات صفاته لكي تعقلون . [ 74 - 79 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 74 إلى 79 ]

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 74 ) أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 76 ) أَ وَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ ( 77 ) وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلاَّ أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ( 78 ) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ ( 79 )
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ
أي : بعد تطاول الأمد ، وتراخي مدّة الفترة ، وتتابع التلوينات ، وتوالي النزغات ، قست قلوبكم بكثرة مباشرة الأمور واللذات البدنية ، وملابسة الصفات النفسانية
فَهِيَ كَالْحِجارَةِ
من عدم تأثرها بالنقش العلميّ
أَوْ
شيء
أَشَدُّ قَسْوَةً
منها ، كالحديد مثلا . ثم بين أنّ الحجارة ألين منها بأنّ حالها منحصر في الوجوه الثلاثة المذكورة ، فأفاد أن القلوب أربعة : قلب تنوّر بالنور الإلهيّ منطمسا فيه ، واستغرق في البحر العلميّ منغمسا فيه ، فانفجرت منه أنهار العلم ، فمن شرب منها يحيا أبدا كقلوب أهل اللّه السابقين وهو المشار إليه بقوله تعالى :
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ
وقلب ارتوى من العلم ، فحفظ ووعى ، فانتفع به الناس ، كقلوب العلماء الراسخين وهو المشار إليه بقوله :
وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ
وقلب خشع وانقاد واستسلم وأطاع ، كقلوب العباد