تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
لاستعمال السنة في العرف وقت نزول الوحي في دورة شمسية لا قمرية ، فأجمل العدد ثم بيّنه بقوله : سنين ، فاحتمل أن يكون المميز غيرها كالشهر مثلا ، ثم بين أنّ المدة سنين مبهمة غير معينة ، إذ لو قيل : ثلاثمائة شهر سنين ، فأبدل سنين من مجموع العدد ، كانت العبارة صحيحة والمراد سنين كذا عددا ، أي : خمسة وعشرين . ويؤيده قوله بعده :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا
وقال قتادة : هو حكاية كلام أهل الكتاب من تتمة سيقولون : وقوله :
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ
ردّ عليهم . وفي مصحف عبد اللّه : وقالوا : لبثوا ، وذلك أن اليقين غير محقق ولا مطرد . [ 27 ]

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 27 ]

وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 27 )
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ
يجوز أن تكون من لابتداء الغاية ، والكتاب هو اللوح الأول المشتمل على كل العلوم الذي منه أوحى إلى من أوحى إليه ، وأن تكون بيانا لما أوحى . والكتاب هو العقل الفرقاني وعلى التقديرين
لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ
التي هي أصول الدين من التوحيد والعدل وأنواعهما
وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً
تميل إليه لامتناع وجود ذلك . [ 28 ، 29 ]

[ سورة الكهف ( 18 ) : الآيات 28 إلى 29 ]

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ( 28 ) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً ( 29 )
وَاصْبِرْ نَفْسَكَ
أمر بالصبر مع اللّه وأهله وعدم الالتفات إلى غيره وهذا الصبر هو من باب الاستقامة والتمكين لا يكون إلا باللّه
مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ
أي : دائما هم الموحدون من الفقراء المجرّدين الذين لا يطلبون غير اللّه ولا حاجة لهم في الدنيا والآخرة ، ولا وقوف مع الأفعال والصفات
يُرِيدُونَ وَجْهَهُ
أي : ذاته فحسب ، يدعونه ولا يحتجبون عنه بغيره وقت ظهورها غداة الفناء ووقت احتجابها بهم عند البقاء ، فالصبر معهم هو الصبر مع اللّه ، ومجاوزة العين عنهم المنهي عنها هو الالتفات إلى الغير .
إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ
أي : المشركين المحجوبين عن الحق لقوله :
إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
« 1 »
ناراً
عظيمة
أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها
من مراتب الأكوان كالطباع العنصرية والصور النوعية المادية المحيطة بالأشخاص الهيولانية
بِماءٍ كَالْمُهْلِ
من جنس الغساق والغسلين ، أي : المياه المتعفنة التي تسيل من أبدان أهل النار مسوّدة فيها دسومات يغاثون بها
هامش
( 1 ) سورة لقمان ، الآية : 13 .