تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 398

مساهمون:

ص٣٩٨
ترك عبادة الصنم المجعول كما هو عادة بعضهم أو صنم نفسه ، كما قال فرعون اللعين :
ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي
« 1 » و
أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى
« 2 » .
هؤُلاءِ قَوْمُنَا
إشارة إلى النفس الأمارة وقواها ، لأن لكل قوم إلها تعبده وهو مطلوبها ومرادها ، والنفس تعبد الهوى كقوله :
أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ
« 3 » ، أو إلى أهل زمان كل من خرج منهم داعيا إلى اللّه ، إذ كل من عكف على شيء يهواه فقد عبده .
لَوْ لا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ
أي : على عبادتهم وإلهيتهم وتأثيرهم ووجودهم
بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ
أي : حجة بيّنة دليل على فساد التقليد وتبكيت بأن إقامة الحجة على إلهية غير اللّه وتأثيره ووجوده محال ، كما قال :
إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ
« 4 » أي : أسماء بلا مسميات لكونها ليست بشيء . [ 16 ]

[ سورة الكهف ( 18 ) : آية 16 ]

وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً ( 16 )
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
أي : فارقتم نفوسكم وقواها بالتجرّد
وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ
من مراداتها وأهوائها
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ
إلى البدن لاستعمال الآلات البدنية في الاستكمال بالعلوم والأعمال ، وانخزلوا فيه منكسرين ، مرتاضين ، كأنهم ميتون بترك الحركات النفسانية والنزوات البهيمية والسطوات السبعية ، أي : موتوا موتا إراديا
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
حياة حقيقة بالعلم والمعرفة
وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً
كما لا ينتفع به بظهور الفضائل وطلوع أنوار التجليات ، فتلتذون بالمشاهدات وتتمتعون بالكمالات كما قال تعالى :
أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ
« 5 » ، وقال عليه السلام في أبي بكر رضي اللّه عنه : « من أراد أن ينظر ميتا يمشي على وجه الأرض فلينظر أبا بكر » ، أي : ميتا عن نفسه يمشي باللّه . أو وإذا اعتزلتم قومكم ومعبوداتهم غير اللّه من مطالبهم المختلفة ، ومقاصدهم المتشتتة ، وأهوائهم المتفننة ، وأصنامهم المتخذة ، فأووا إلى كهوف أبدانكم وامتنعوا عن فضول الحركات والخروج في أثر الشهوات ، واعكفوا على الرياضات ،
يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ
« 6 » زيادة كمال وتقوية ونصرة بالأمداد الملكوتية ، والتأييدات القدسية ،
هامش
( 1 ) سورة القصص ، الآية : 38 . ( 2 ) سورة النازعات ، الآية : 24 . ( 3 ) سورة الجاثية ، الآية : 23 . ( 4 ) سورة النجم ، الآية : 23 . ( 5 ) سورة الأنعام ، الآية : 122 . ( 6 ) سورة الكهف ، الآية : 16 .
تفسير ابن عربي — صفحة 398 | ابن عربي / سمير مصطفى رباب