تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 385

مساهمون:

ص٣٨٥
إِذاً لَأَذَقْناكَ
أي : لو قاربت فتنتهم وكدت توافقهم لأذقناك عذابا مضاعفا في الحياة وعذابا مضاعفا في الممات ، فإنّ شدّة العذاب بحسب علوّ المرتبة وقوة الاستعداد إذ النقصان الموجب للعذاب يقابل الكمال الموجب للذة . فكلما كان الاستعداد أتمّ والإدراك أقوى ، كانت المرتبة في الكمال والسعادة واللذة أقوى فكذا ما يقابله من النقص والشقاوة أبعد وأسفل والألم أشدّ . [ 78 ]

[ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 78 ]

أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ( 78 )
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
اعلم أنّ الصلاة على خمسة أقسام : صلاة المواصلة والمناغاة في مقام الخفاء ، وصلاة الشهود في مقام الروح ، وصلاة المناجاة في مقام السرّ ، وصلاة الحضور في مقام القلب ، وصلاة المطاوعة والانقياد في مقام النفس . فدلوك الشمس هو علامة زوال شمس الوحدة عن الاستواء على وجود العبد بالفناء المحض ، فإنه لا صلاة في حال الاستواء إذ الصلاة عمل يستدعي وجودا ، وفي هذه الحالة لا وجود للعبد حتى يصلي كما ذكر في تأويل قوله تعالى :
وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( 99 )
« 1 » . ألا ترى الشارع عليه السلام كيف نهى عن الصلاة وقت الاستواء ، فأما عند الزوال ، إذا حدث ظل وجود العبد سواء عند الاحتجاب بالخلق حالة الفرق قبل الجمع أو عند البقاء حالة الفرق بعد الجمع ، فالصلاة واجبة
إِلى غَسَقِ
ليل النفس
وَقُرْآنَ
فجر القلب ، فأول الصلوات وألطفها صلاة المواصلة والمناغاة وأفضلها وأشرفها صلاة الشهود للروح المشار إليها بصلاة العصر كما فسرت الصلاة الوسطى ، أي : الفضلى في قوله تعالى :
حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ
« 2 » والصلاة الوسطى بها ، وأوحاها وأخفها صلاة السرّ بالمناجاة أول وقت الاحتجاب بظهور القلب لسرعة انقضاء وقتها ولهذا استحب التخفف في صلاة المغرب في القراءة وغيرها لكونها علامة لها ، وأزجر الصلاة للشيطان ، وأوفرها تنويرا لباطن الإنسان صلاة الحضور للقلب المومي إليها بقرآن الفجر ، فإنها في وقت تجليات أنوار الصفات ونزول المكاشفات ولهذا استحب التكثر في جماعة صلاة الصبح وأكد استحباب الجماعة فيها خاصة ، وتطويل القراءة ، وقال تعالى :
إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً
أي : محضورا بحضور ملائكة الليل والنهار إشارة إلى نزول صفات القلب وأنوارها وذهاب صفات النفس وزوالها ، وأشدّها تثبيتا للنفس وتطويعا لها صلاة النفس للطمأنينة والثبات ، ولهذا سنّ فيما جعل آية لها من صلاة العشاء السكوت
هامش
( 1 ) سورة الحجر ، الآية : 99 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية : 238 .
تفسير ابن عربي — صفحة 385 | ابن عربي / سمير مصطفى رباب