تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 331

مساهمون:

ص٣٣١
هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ
إشارة إلى تنزل القلب إلى مقامهم في محل الصدر ليعرفوه فيتذكروا حالهم في البداية وما فعلوا به في زمان الجهل والغواية . وقولهم :
أَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ
تعجب منهم عن حاله بتلك الهيئة النورانية والأبهة السلطانية وبعدها عن حال بدايته . وقوله :
قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا
إلى آخره ، إشارة إلى علّة ذلك وسبب كمالهم . وقولهم :
تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا
إشارة إلى تهدي القوى عند الاستقامة إلى كماله ونقصها . وقوله :
لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ
لكونها مجبولة على أفعالها الطبيعية . وقوله :
يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ
إشارة إلى براءتها من الذنب عند التنوّر بنور الفضيلة والتأمر بأمره عند الكمال . والقميص هو الهيئة النورانية التي اتصف بها القلب عند الوصول إلى الوحدة في عين الجمع والاتصاف بصفات اللّه تعالى . وقيل : هو القميص الإرثي الذي كان في تعويذه حين ألقي في البئر ، وهو إشارة إلى نور الفطرة الأصلية . كما أن الأول إشارة إلى نور الكمال الحاصل له بعد الوصول ، والأول أولى بتبصير عين العقل فإنّ العقل لما لم تكتحل بصيرته بنور الهداية الحقانية عمي عن إدراك الصفات الإلهية .
وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ
أي : ارجعوا إليّ عن آخركم في مقام الاعتدال ومراعاة التوسط في الأفعال ، فإن القلب متوسط بين جهتي العلو والسفالة ، وانضموا إليّ ، وائتمروا بأمري ، واقربوا مني ولا تبعدوا عن مقامي في طلب اللذات البدنية بمقتضى طباعكم . وريحه الذي وجده من بعيد هو وصول أثر رجوع القلب إلى عالم العقل والمعقول ، وإقباله إليه من محض التوحيد بتجهيز القوى الحيوانية بجهاز الحظوظ على حكم العدالة وقانون الشرع والعقل ، فقد قيل : إنه جهّز العير بأجمل ما يكون ، ووجهها إلى كنعان . وضلاله القديم هو : تعشّقه بالقلب أزلا وذهوله عن جهتهم . وقوله :
أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
إشارة إلى سابق علمه برجوع القلب إلى مقام العقل . واستغفاره لهم : تقريره إياهم على حكم الفضائل العقلية بالاستقامة بعد صفائهم وذكائهم وقبولهم للهيئات النورانية بعد خلع الظلمانية . ودخولهم على يوسف هو وصولهم إلى مقام الصدر حال الاستقامة . ودخولهم مصر كون الكل في حضرة الجمعية الإلهية الواحدية مع تفاضل مراتبهم في عين جمع الوحدة . ورفع أبويه على العرش عبارة عن ارتفاع مرتبتي العقل والنفس عن مراتب سائر القوى وزيادة قربهما إليه وقوّة سلطنتهما عليها . وخرورهم له سجدا عبارة عن انقياد الكل وطاعتهم له بالأمر الوحداني بلا فعل حركة بأنفسهم بحيث لا يتحرك منها شعر ولا ينبض لها عرق إلا باللّه . وتأويل رؤياه صورة ما تقرّر في استعداده الأول من قبول هذا الكمال .
قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا
أخرجها من القوة إلى الفعل
وَقَدْ أَحْسَنَ بِي
بالبقاء بعد الفناء
تفسير ابن عربي — صفحة 331 | ابن عربي / سمير مصطفى رباب