تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
[ 46 - 51 ]

[ سورة هود ( 11 ) : الآيات 46 إلى 51 ]

قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 46 ) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 47 ) قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنَّا وَبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وَعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ ( 48 ) تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هذا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ ( 49 ) وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ ( 50 ) يا قَوْمِ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 51 )
قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ
أي : إنّ أهلك في الحقيقة هو الذي بينك وبينه القرابة الدينية واللحمة المعنوية والاتصال الحقيقي لا الصوري كما قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ألا وإنّ وليّ محمد من أطاع اللّه وإن بعدت لحمته ، ألا وإن عدّو محمد من عصى اللّه وإن قربت لحمته » ،
إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ
بين انتفاء كونه من أهله بأنه غير صالح تنبيها على أنّ أهله هم الصلحاء ، أهل دينه وشريعته وأنه لتماديه في الفساد والغيّ كان نفسه عمل غير صالح . وأنّ سبب النجاة ليس إلا الصلاح لا قرابته منك بحسب الصورة ، فمن لا صلاح له لا نجاة له . ولوّح إلى أنه صورة من صور الخطايا صدرت منك كما قيل : إنه سرّ من أسرار أبيه على ما قال النبي عليه الصلاة والسلام : « الولد سرّ أبيه » وذلك أنه لما بالغ في الدعوة وبلغ الجهد في المدة المتطاولة وما أجابه قومه غضب ودعا عليهم بقوله :
رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً ( 27 )
« 1 » ، فذهل عن شهود قدرة اللّه وحكمته وأنه :
يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ *
« 2 » فكانت دعوته تلك ذنب حاله في خطيئة مقامه ، فابتلاه اللّه بالفاجر الكفّار الذي زعم حال غضبه أنهم لا يلدون إلا مثله وحكم على اللّه بظنه فزكّاه عن خطيئته بتلك العقوبة . وفي الحديث : « خلق الكافر من ذنب المؤمن » .
فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
من إنجاء من ليس بصالح ولا من أهلك ، واعلم أن الصلاح هو سبب النجاة دون غيره ، وإن أهلك هو ذو القرابة المعنوية لا الصورية .
إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ
الواقفين مع ظواهر الأمور ، المحجوبين عن حقائقها ، فتنبّه عليه السلام عند ذلك التأديب الإلهي والعتاب الرباني وتعوّذ بقوله :
رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي
تلويناتي وظهور بقاياي
وَتَرْحَمْنِي
بالاستقامة والتمكين
أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ
الذين خسروا أنفسهم بالاحتجاب عن علمك
هامش
( 1 ) سورة نوح ، الآيات : 26 - 27 . ( 2 ) سورة يونس ، الآية : 31 .
تفسير ابن عربي — صفحة 302 | ابن عربي / سمير مصطفى رباب