تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
الحجاب ، فلم يصل إليها نور القلب ليحتفظوا بفوائدها ولم ترد مدركاتها على القلب ليفهموا ويعتبروا .
فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ
إلى اللّه لوجود السّدين المضروبين على قلوبهم المذكورين في قوله :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا
« 1 » . وفائدة التشبيه تصوير المعقول بصورة المحسوس ، ليتمثل في نفوس العامة . ثم شبههم ثانيا بقوم أصابهم مطر فيه ظلمات ورعد وبرق ، فالمطر هو نزول الوحي الإلهي ووصول إمداد الرحمة إليهم ببركة صحبة المؤمنين ، وبقية استعدادهم مما يفيد قلوبهم أدنى لين ، وحصول النعم الظاهرة لهم بموافقتهم في الظاهر . والظلمات هي الصفات النفسانية ، والشكوك الخيالية والوهمية ، والوساوس الشيطانية مما تحيرهم وتوحشهم . والرعد هو التهديد الإلهيّ والوعيد القهريّ الوارد في القرآن والآيات والآثار المسموعة والمشاهدة مما يخوّفهم فيفيد أدنى انكسار لقلوبهم الطاغية وانهزام لنفوسهم الآبية . والبرق هو اللوامع النورية والتنبهات الروحية عند سماع الوعد وتذكير الآلاء والنعماء مما يطمعهم ويرجيهم ، فيفيدهم أدنى شوق وميل إلى الإجابة . ومعنى
يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ
يتشاغلون عن الفهم بالملاهي والملاعب عن سماع آيات الوعيد ، ولكي لا ينجع فيهم فيقطعهم عن اللذات الطبيعية بهمّ الآخرة ، إذ الانقطاع عن اللذات الحسيّة هو موتهم ، واللّه قادر عليهم ، قاطع إياهم عن تلك اللذات المألوفة بالموت الطبيعي ، قدرة المحيط بالشيء الذي لا يفوته منه ، فلا فائدة لحذرهم . [ 20 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 20 ]

يَكادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 20 )
يَكادُ الْبَرْقُ
أي : اللامع النوريّ
يَخْطَفُ أَبْصارَهُمْ
أي : عقولهم المحجوبة بالنعاس عن نور الهداية والكشف ، إذ العقل بصر القلب
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
أي : ترقوا وقربوا من قبول الحق والهدى ،
وَإِذا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قامُوا
أي : ثبتوا على حيرتهم في ظلمتهم
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ
لطمس أفهامهم وعقولهم ، ومحا نور استعدادهم ، كما للفريق الأول فلم يتأثروا بسماع الوحي أصلا
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
الشيء الموجود الخارجيّ الواجب والممكن ، والموجود الذهني الممكن والممتنع ، إذ اللاشيء هو المعدوم الصرف الذي ليس في الذهن ولا في الخارج ، لكن تعلق القدرة به خصصه بالممكن وأخرج عنه الواجب والممتنع بدليل العقل . هذا آخر الكلام في الأصناف السبعة على سبيل الإجمال ، وفصل بين فريقي الأشقياء
هامش
( 1 ) سورة يس ، الآية : 9 .