تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 17

مساهمون:

ص١٧
وإذا دعوا إلى الإيمان الحقيقي ، كإيمان فقراء المسلمين والصعاليك المجرّدين ، سفهوهم لمكان تركهم لحطام الدنيا وإعراضهم عن متاعها ولذاتها وطيباتها ، لزهدهم الحقيقي . إذ قصارى همومهم ، وقصوى مقاصد عقولهم الأسيرة في قيد الهوى المشوبة بالوهم ، المؤدّية إلى الردى هي تلك اللذات يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ، ولا يعلمون أن غاية السفه هو اختيار الفاني الأخس على الباقي الأشرف . وفرق بين الفاصلتين بالشعور والعلم ، لأنّ تأثير خداعهم في أنفسهم وإفسادهم في الأرض أمر بين كالمحسوس . وأما ترجيح نعيم الآخرة على نعيم الدنيا المستلزم للفرق بين السفه والحكمة فأمر استدلالي عقليّ صرف . [ 14 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 14 ]

وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ ( 14 )
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا
حكاية لنفاقهم اللازم لحصول استعدادين فيهم الفطريّ النوريّ ، الضعيف المغلوب ، القريب من الانطفاء ، الذي ناسبوا به المؤمنين ، والكسبيّ الظلماني القويّ الغالب الذي تألفوا به الكفار ، إذ لو لم يكن فيهم أدنى نور لم يقدروا على مخالطة المؤمنين ومصاحبتهم أصلا كغيرهم من الكفار لتسافي الضروري بين النور والظلمة من جميع الوجوه . والشيطان فيعال من الشطون ، الذي هو البعد ، وشياطينهم المتعمقون في البعد وهم المطرودون ، ورؤساؤهم البالغون في النفاق واستهزاؤهم بالمؤمنين يدلّ على ضعف جهة النور وقوّة جهة الظلمة فيهم ، إذ المستخف بالشيء هو الذي يجد ذلك الشيء في نفسه خفيفا ، قليل الوزن والقدر . فهم يستخفون النورانيين لخفة النور عندهم ، إذ بالنور يعرف قدر النور ، وبرجحان الظلمة فيهم أووا إلى الكفار وألفوهم . [ 15 ]

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 15 ]

اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ ( 15 )
اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ
أي : يستخفهم ، لأن الجهة التي هم بها ناسبوا الحضرة الإلهية فيهم خفيفة ، ضعيفة . فبقدر ما فنيت فيهم الجهة الإلهية ثبتوا عند أنفسهم ، كما أنّ المؤمنين بقدر ما فنيت فيهم أينيتهم النفسانية وجدوا عند اللّه شتان بين المرتبتين .
وَيَمُدُّهُمْ
في ظلماتهم البهيمية والسبعية التي هي الصفات الشيطانية والنفسانية بتهيئة موادّها وأسبابها التي هي مشتهياتهم ومستلذاتهم وأموالهم ومعايشهم من الدنيا التي اختاروها بهواهم في حالة كونهم متحيرين .
فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
والعمة : عمى القلب . وطغيانهم : التعدّي عن حدّهم الذي كان ينبغي أن يكونوا عليه ، وذلك الحدّ هو الصدر ، أي وجه القلب الذي يلي النفس كما أن الفؤاد وجهه الذي يلي الروح ، فإنه متوسط بينهما ذو وجهين إليهما . والوقوف على ذلك الحدّ