كما شهدت بقولها
إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
. واعلم أن النيّات وهيئات النفس مؤثرة في نفس الولد ، كما أن الأغذية مؤثرة في بدنه . فمن كان غذاؤه حلالا طيبا وهيئات نفسه نورية ونيّاته صادقة حقانيّة ، جاء ولده مؤمنا صديقا أو وليّا أو نبيّا . ومن كان غذاؤه حراما وهيئات نفسه ظلمانية خبيثة ونياته فاسدة رديئة جاء ولده فاسقا أو كافرا خبيثا . إذ النطفة التي يتكوّن الولد منها متولدة من ذلك الغذاء ، مربّاة بتلك النفس ، فتناسبها . ولهذا
قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم :
« الولد سرّ أبيه »
، فكان صدق مريم ونبوّة عيسى عليهما السلام بركة صدق أبيها
وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً
يجوز أن يراد به الرزق الروحاني من المعارف والحقائق والعلوم والحكم الفائضة عليها من عند اللّه ، إذ الاختصاص بالعندية يدلّ على كونها من الأرزاق اللدنيّة
هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ
كان زكريا شيخا هرما ، وكان مقدّما للناس ، إماما ، طلب من ربّه ولدا حقيقيا يقوم مقامه في تربية الناس وهدايتهم كما أشار إليه في سورة ( كهيعص ) فوهب له يحيى من صلبه بالقدرة ، بعد ما أمر باعتكاف ثلاثة أيام ولك التأويل بالتطبيق على أحوالك وتفاصيل وجودك كما علمت ، وهو أنّ الطبيعة الجسمانية ، أي : القوة البدنية . امرأة عمران الروح نذرت ما في قوّتها من النفس المطمئنة للّه تعالى بانقيادها لأمر الحق ومطاوعتها له ، فوضعت أنثى النفس فكفلها اللّه ، زكريا الفكر ، بعد ما تقبلها لكونها زكيّة ، قدسيّة ، فكلما دخل عليها زكريا الفكر محراب الدماغ وجد عندها رزقا من المعاني الحدسيّة التي انكشفت عليها بصفائها من غير امتياز الفكر إيّاها . فهنالك دعا زكريا الفكر ، تركيب تلك المعاني واستوهب من اللّه ولدا طيبا مقدّسا عن لوث الطبيعية ، فسمع اللّه دعاءه ، أي : أجاب ، فنادته ملائكة القوى الروحانية وهو قائم بأمره في تركيب المعلومات ، يناجي ربّه باستنزال الأنوار ، ويتقرّب إليه بالتوجه إلى عالم القدس في محراب الدماغ .
أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى
العقل بالفعل
مُصَدِّقاً
بعيسى القلب ، مؤمنا به ، وهو كلمة من اللّه لتقدّسه عن عالم الإجرام والتولّد عن الموادّ
وَسَيِّداً
لجميع أصناف القوى
وَحَصُوراً
مانعا نفسه عن مباشرة الطبيعة الجسمانية وملابسة طبائع القوى البدنية
وَنَبِيًّا
بالإخبار عن المعارف والحقائق الكلية ، وتعليم الأخلاق الجميلة ، والتدابير السديدة بأمر الحق
مِنَ الصَّالِحِينَ
من جملة المفارقات والمجرّدات التي تصلح بأفعالها أن تكون من مقرّبي حضرة اللّه تعالى بعد أن بلغ الفكر كبر منتهى طوره ولم يكن منتهيا إلى إدراك الحقائق القدسية ، والمعارف الكلية . وكانت امرأته التي هي طبيعة الروح النفسانية لأنها محل تصرّف الفكر عاقرا بالنور المجرّد .
وعلامة ذلك ، أي : علامة حصول النور المجرّد وظهوره من النفس الزكيّة ، إمساكه عن