تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير ابن عربي — صفحة 103

مساهمون:

ص١٠٣
إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً
الاصطفاء أعمّ من المحبة والخلة ، فيشمل الأنبياء كلهم لأنهم خيرة اللّه وصفوته ، وتتفاضل فيه مراتبهم ، كما قال تعالى :
تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ
« 1 » ، فأخص المراتب هو المحبة ، وأشار إليه بقوله تعالى :
وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ
« 2 » فلذلك كان أفضلهم حبيب اللّه محمدا صلى اللّه عليه وسلم ثم الخلّة التي هي صفة إبراهيم عليه السلام ، وأعمها الاصطفاء ، أي : صفة آدم عليه السلام
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
في الدين والحقيقة ، إذ الولاية قسمان : صورية ومعنوية ، وكل نبيّ يتبع نبيّا آخر في التوحيد والمعرفة ، وما يتعلق بالباطن من أصول الدين فهو ولده كأولاد المشايخ في زماننا هذا . وكما قيل : الآباء ثلاثة : أب ولدك ، وأب رباك ، وأب علمك . فكما أن وجود البدن في الولادة الصورية يتولد في رحم أمّه من نطفة أبيه ، فكذلك وجود القلب في الولادة الحقيقية يظهر في رحم استعداد النفس من نفحة الشيخ والمعلم . وإلى هذه الولادة أشار عيسى عليه السلام بقوله : « لن يلجّ ملكوت السماوات من لم يولد مرتين » . واعلم أنّ الولادة المعنوية أكثرها يتبع الصورية في التناسل ، ولذلك كان الأنبياء في الظاهر أيضا نسلا ، ثم ثمر شجرة واحدة ، فإن عمران بن يصهر أبا موسى وهارون كان من أسباط لاوي بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ، وعمران بن ماثان أبا مريم أم عيسى عليه السلام كان من أسباط يهود ابن يعقوب ، وكون محمد عليه الصلاة والسلام من أسباط إسماعيل بن إبراهيم مشهور وكذا كون إبراهيم من نوح عليه السلام . وسببه أنّ الروح في الصفاء والكدورة يناسب المزاج في الاعتدال وعدمه وقت التكوّن ، فلكلّ روح مزاج يناسبه ويخصّه ، إذ الفيض يصل بحسب المناسبة وتفاوت الأرواح في الأزل بحسب صنوفها ومراتبها في القرب والبعد ، فتتفاوت الأمزجة بحسبها في الأبد لتتصل بها . والأبدان المتناسلة الأرواح من بعض متشابهة في الأمزجة على الأكثر ، اللهمّ إلا لأمور عارضة اتفاقية ، فكذلك الأرواح المتصلة بها متقاربة في الرتبة ، متناسبة في الصفة . وهذا مما يقوي أن المهديّ عليه السلام من نسل محمد صلى اللّه عليه وسلم .
وَاللَّهُ سَمِيعٌ
حين قالت امرأة عمران :
رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ
إلى قولها :
الْعَلِيمُ
بنيتها
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 253 . ( 2 ) نفس الهامش السابق .