فحرق عباس ضمارا ولحق بالنبي صلى اللّه عليه وسلم . وفي لفظ أن عباس بن مرداس كان في لقاح له نصف النهار ، إذ طلع عليه راكب على نعامة بيضاء وعليه ثياب بيض فقال له : يا عباس ألم تر أن السماء قد تعب أحراسها ، وأن الحرب قد حرقت أنفاسها ، وأن الخيل وضعت أحلاسها ، وأن الذي نزل عليه البر والتقوى صاحب الناقة القصواء ؟ فقال عباس : فراعني ذلك ، فجئت وثنا لنا يقال له الضمار كنا نعبده وتكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به ، فإذا صائح يصيح من جوفه :
قل للقبائل من قريش كلها * هلك الضمار وفاز أهل المسجد
هلك الضمار وكان يعبد مدة * قبل الصلاة على النبي محمد
إن الذي ورث النبوة والهدى * بعد ابن مريم من قريش مهتد
قال عباس : فخرجت مع قومي بني حارثة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بالمدينة ، فدخلت المسجد ، فلما رآني رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم تبسم وقال : يا عباس كيف إسلامك ، فقصصت عليه القصة ، فقال : صدقت ، وأسلمت أنا وقومي .
ومن ذلك خبر مازن بن الغضوبة قال : كنت أسدن : أي أخدم صنما بقرية بعمان : أي بالتخفيف تدعى سمائل ، وسمال يقال له بادر . وفي لفظ باحر بالحاء المهملة ، فعترنا ذات يوم عنده عتيرة وهي الذبيحة مطلقا . وقيل في رجب خاصة .
فسمعنا صوتا من جوف الصنم يقول : يا مازن اسمع تسرّ ظهر خير وبطن شر ، بعث نبي من مضر بدين اللّه الكبر ، فدع نحيتا من حجر ، تسلم من حرّ سقر . قال مازن :
ففزعت لذلك وقلت : إن هذا لعجب ، ثم عترت بعد أيام عتيرة : أي ذبحت ذبيحة لذلك الصنم ، فسمعت صوتا من الصنم يقول :
أقبل إليّ أقبل * تسمع ما لا تجهل
هذا نبي مرسل * جاء بحق منزل
آمن به كي تعدل * عن حر نار تشعل
وقودها بالجندل
فقلت : إن هذا لعجب ، وإنه لخير يراد بي .
أقول : ورأيت في بعض السير تقديم هذه الأبيات على ما قبلها ، وأن مازنا قال : ثم سمعت صوتا أبين من الأول ، وهو يقول : يا مازن اسمع إلى آخره ، واللّه أعلم .
قال مازن : فبينا نحن كذلك ، إذ قدم رجل من أهل الحجاز قلنا له : ما الخبر وراءك ؟ قال : قد ظهر رجل يقال له أحمد ، يقول لمن أتاه أجيبوا داعي اللّه ، فقلت