الوضع . ففي المثال المتقدّم يقدّم الدليل القائل : ( لا تكرم كلّ فاسق ) من دون فرق بين كون هذا الدليل متّصلًا بالدليل الأوّل أم منفصلًا عنه ، وذلك لأنّه إذا كان متّصلًا ، فهو يهدم أصل الظهور في الدليل الأوّل ، فلا ينعقد في قوله ( أكرم فقيراً ) ظهور في الإطلاق ، لما تقدّم أنّ من شرائط انعقاد الظهور هو عدم وجود القرينة المتّصلة على التقييد ، وعليه لو كان قوله : ( لا تكرم كلّ فاسق ) متّصلًا مع الأوّل وهو قوله : ( أكرم فقيراً ) فهو يهدم ظهوره في الإطلاق .
أما تقديم الدليل الذي تكون دلالته بالوضع في حالة انفصاله ، فلأن الدليل المطلق كقوله ( أكرم فقيراً ) وإن انعقد له ظهور في الإطلاق ، لكن لما جاء الدليل الآخر الذي دلالته بالوضع وهو ( لا تكرم كلّ فاسق ) ، فإن العرف حينما يجمع بينهما نجده يقدّم الدليل المطلق الذي تكون دلالته مستندة إلى الوضع ، لأنّ الظهور الناشئ من الوضع أقوى من الظهورالناشئ من الإطلاق ، فيقدّم الأقوى ظهوراً .
والحاصل من هذه الصورة هو تقديم الإطلاق الذي كانت دلالته بالأداة والوضع ، لأنّه أقوى ظهوراً من الدليل الذي تكون دلالته بمقدّمات الحكمة .
الصورة الثانية : ما لو كانت دلالة كلا الدليلين مستندة إلى الوضع أو إلى مقدّمات الحكمة ، كما لو قال : ( أكرم فقيراً ) و ( لا تكرم الفاسق ) ، بناء على أن العموم في كلمة الفاسق يستفاد بمقدّمات الحكمة لا بواسطة الألف واللام في اسم الجنس . ففي هذه الصورة يوجد اتجاهان :
الاتجاه الأوّل : التساقط ، لأنّ الدليلين متكافئان ، وحينئذٍ يتعارضان في مورد التصادق وهو ( الفقير الفاسق ) ويتساقطان ، ويرجع إلى الأصول العملية .
الاتجاه الثاني : تقديم الإطلاق الشمولي على البدلي ، وفي هذا الاتجاه قدّمت عدّة وجوه :
شرح الحلقة الثالثة ( الأصول العملية ) للشهيد السيد محمد باقر الصدر تقريراً لدروس السيد كمال الحيدري — صفحة 73
مساهمون: الشيخ على حمود العبادي
ص٧٣