بل من باب حكم العقل بأنّ المطلوب الواحد إذا امتثل لا يمكن امتثاله ثانياً .
وأما أن المطلوب واحد أو متعدّد ، فلا يحكم به العقل ، ولا يدلّ عليه اللفظ ، ولذا اختلف في دلالة الأمر على المرّة والتكرار .
وبعبارة أخرى : وضعت صيغة الأمر لطلب إيجاد الطبيعة ، والعقل يحكم بأنّ إيجاد الطبيعة يحصل بإتيانها مرّة فلا موجب لإتيانها ثانياً ، وهذا لا ينافي أن يكون المطلوب إيجادها مرّتين ، بحيث يكون امتثال كلّ مرّة كافياً لامتثال مطلوب ، أي لو دلّ الدليل على أن المطلوب متعدّد لا يعارضه حكم العقل على أن امتثال الطبيعة يحصل بإتيانها ، لأنّ كلّ مطلوب يحصل امتثاله بإتيانه مرّة عقلًا .
أما أنَّ المطلوب متعدّد أو لا ، فلا يحكم به العقل . فإذا دلّ ظاهر الشرطيتين على تعدّد المطلوب لا يعارضه شيء أصلًا ، ومما ذكرنا انقدح ما في تقديم ظهور القضيتين من جهة كونه بياناً لإطلاق الجزاء ، لأنّه - على ما ذكرنا - ظهور الجزاء في الاكتفاء بالمرّة ليس من باب الإطلاق أصلًا ، حتى يقع التعارض ، بل يكون ظهور القضية الشرطية في تأثير الشرط مستقلًا في الجزاء ، رافعاً حقيقةً لموضوع حكم العقل : بأنّ المطلوب واحد يحصل امتثاله بإتيانه مرّة ، ووارداً عليه ، بل على فرض ظهور الجزاء في المرّة يكون ظهور الشرطية حاكماً عليه ، كما لا يخفى ) « 1 » .
وعلّق السيد الخوئي مستحسناً مقالة المحقّق النائيني بقوله : ( ولشيخنا الأستاذ ( قدس سره ) في المقام كلام وهو في غاية الصحّة والجودة ) « 2 » .
واستدلّ المحقّق العراقي في المقام بأن تقديم ظهور كلّ شرط في كونه علّة مستقلّة على ظهور الجزاء في وحدة المتعلّق أولى من العكس ؛ لأنّ تقديم ظهور الشرطين على ظهور الجزاء لا يستلزم إلا ارتكاب خلاف ظاهر واحد ، وهذا
هامش
( 1 ) فوائد الأصول : ج 2 ، ص 493 .
( 2 ) محاضرات في أصول الفقه : ج 5 ، ص 118 .