ولا معنى حينئذ لاحتمال النسخ ، لأنّه دفع لا رفع ، وإلّا لزم البداء المستحيل في حقّه سبحانه . وإذا لم يثبت له إطلاق وشكّ في سعة المجعول وضيقه ، فليس ثبوت ذاك الحكم لغير الموجودين في ذلك العصر متيقّناً ليشكّ فيه ويستصحب ، بل أسراؤه إليهم يكون قياساً وإسراءً للحكم عن موضوع إلى موضوع آخر . . . فاستصحاب عدم النسخ في نفسه لا أساس له ، ولو بنينا على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية ( « 1 » .
تطبيقات لاستصحاب عدم النسخ في الشرائع السابقة
ذكر الشيخ الأنصاري « 2 » عدداً من التطبيقات والثمرات في المقام ، وفيما يلي نذكر المهمّ منها إتماماً للفائدة :
1 . جواز الضرب بالضغث مكان الضرب بالسوط ، روي أن نبيَّ الله أيوب ( ع ) حلف على امرأته لأجل إبطائها ) لئن عوفي ليضربها مائة جلدة ( « 3 » فلما عوفي ( ع ) خوطب بقوله تعالى :
وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ
( آل عمران : 97 ) .
والضغث هو ملء الكفّ من الحشيش والشماريخ وما شابه ذلك ، فاستدلّ بالآية الكريمة على أنه يجوز لمن يحلف أن يضرب مائة سوط ، أن يبدلها إلى ضغث من الحشيش والشماريخ .
وناقشه الشيخ ( قدس سره ) أن الاستدلال مبنيّ على سدّ باب بعض الاحتمالات ، وهو أنّ إجراء الحدّ مشروط بقابلية المحدود عليه ، فلو انتهى إجراء الحدّ إلى موته أو إلحاق الضرر الكثير به ، سقط الحدّ ، ولعل زوجة أيوب ( ع ) كانت من
هامش
( 1 ) دراسات في علم الأصول : ج 4 ، ص 148 - 149 .
( 2 ) انظر فرائد الأصول : ج 3 ، ص 221 .
( 3 ) مجمع البيان : ج 8 ، ص 365 .