وبهذا يتضح أن العلم الإجمالي على هذا المبنى لا يستتبع بذاته وجوب الموافقة القطعية .
تخريج وجوب الموافقة على ضوء المبنى الثالث
وفق المبنى الثالث - حيث يُدّعى بأن العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع - لابد أن الذي يتنجّز هو كلا طرفي العلم الإجمالي ، لأن تفريغ الذمّة التي اشتغلت بالواقع ، لايتحقّق إلا بالاتيان بكلا الطرفين ، لأن الواقع الذي اشتغلت به الذمّة مردّد بين جميع أطراف العلم الإجمالي ، فلكي يحصل الفراغ اليقيني لابدّ من الإتيان بجميع الأطراف ، وهو معنى وجوب الموافقة القطعية .
وبهذا يتضح في ضوء هذا المبنى وجوب الموافقة القطعية فضلًا عن حرمة المخالفة القطعية .
العلم الإجمالي لا يقتضي وجوب الموافقة القطعية
إنّ ما ذكر من ربط البعض لوجوب الموافقة القطعية وعدمها بمباني حقيقة العلم الإجمالي غير صحيح ، والصحيح هو أن الذي يتنجّز بالعلم الإجمالي هو الجامع فقط على جميع المباني ، حتى على المبنى الثالث الذي ادعى تعلّق العلم الإجمالي بالواقع .
بيان ذلك : أمّا على المبنى الأوّل وهو تعلّق العلم بالجامع فواضح ، فإن البيان حينئذ إنما هو بمقدار الجامع ؛ وعليه فلا يجب الامتثال عقلًا إلا بمقدار الجامع ، ويتحقّق ذلك بالإتيان بأحد الفردين - إمّا صلاة الظهر أو الجمعة - فلا يبقى اقتضاء للحركة أكثر من الحركة للإتيان بإحدى الصلاتين .
وأمّا على المبنى الثاني ، وهو تعلّق العلم بالفرد المردّد ، فنقول : إن هذا لا يقتضي لزوم امتثال ما هو أزيد من الجامع ، فإنّه وإن كان المفروض أن المقدار المتعلّق به العلم أزيد من الجامع ، لكن المقدار الذي يقبل التنجّز مما تعلّق به