الاقتحام فأيضاً لا لغوية ؛ لما ذكرناه من أن هذا الأمر يكشف عن درجة رجحان في ملاكات الأحكام اللزومية عند المولى بالنسبة إلى أحكامه الترخيصية ، وفائدة ذلك تأكد حسن الاحتياط عند العقل ومزيد تحريك للمكلّف بالمقدار الثابت في الأوامر الاستحبابية ، الأمر الذي لم يكن لو وصله العكس وثبتت رجحان أغراض المولى الترخيصية أو احتمل ذلك على الأقل « 1 » .
وبهذا يتّضح أنّه على كلا التقديرين لا لغوية في جعل استحباب الاحتياط ، وعلى هذا فلا موجب لحمل ما ورد من أوامر استحبابية بالاحتياط على الإرشاد لحكم العقل بحسن الاحتياط .
مناقشة الوجه الثاني : عدم لزوم محذور التسلسل
تقدّم أن الوجه الثاني هو أن حكم العقل بحسن الاحتياط لا يلازم الحكم الشرعي باستحبابه ؛ للزوم محذور التسلسل ، وهذا الوجه باطل صغرى وكبرى :
أمّا الكبرى - وهي أن الحسن والقبح الواقعين في مرحلة متأخّرة عن الحكم الشرعي يستحيل أن يستتبعا حكماً شرعياً على طبقهما - والمناقشة فيها هي أننا لا نسلّم بمحذور التسلسل ، لأنّ التسلسل المستحيل هو التسلسل في الأمور التكوينية ، التي يؤول الأمر فيها إلى ما لا نهاية ، أمّا التسلسل في الأمور الاعتبارية ، فليس مستحيلًا ، ومن الواضح أن التسلسل في المقام إنّما هو في الأحكام ، التي هي أمور اعتبارية ، فيكون أمر إيقاف السلسلة فيها إلى نفس المعتبر .
وإلى هذا الوجه أشار السيد الشهيد بقوله : " إن التسلسل المستحيل إنّما هو التسلسل في الأمور التكوينية ، ومن الواضح أن التسلسل اللازم في المقام إنّما هو تسلسل في الأمور الاعتبارية ، فإن الأحكام التي يلزم تسلسلها إنّما هي أمور اعتبارية ، والتسلسل فيها ليس مستحيلًا أو غير لازم ؛ لأنه يمكن وفق هذا
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ( تقرير السيد الهاشمي ) : ج 5 ، ص 118 .