ومنها : قولُه سبحانه وتعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
.
وتقريبُ الاستدلال واضحٌ بعد حمل كلمةِ ( رسول ) على المثال للبيان .
وقد يُعترضُ على ذلك ، تارةً : بأنَّ الآيةَ الكريمةَ إنّما تنفي العقابَ لا استحقاقَه ، وهذا لا ينافي تنجّزَ التكليفِ المشكوك ؛ إذ لعلَّه من بابِ العفو .
وأخرى : بأنّها ناظرةٌ إلى العقابِ الربّانيِّ في الدنيا للأممِ السالفة ، وهذا غيرُ محلِّ البحث .
والجوابُ على الأوّل : إنَّ ظاهر النفيِ في الآيةِ أنّه هو الطريقةُ العامّةُ للشارع التي لا يناسبُه غيرها ، كما يظهرُ من مراجعةِ أمثالِ هذا التركيبِ عرفاً . وهذا معناهُ عدمُ الاستحقاق .
ومنه يظهرُ الجوابُ على الاعتراض الثاني لأنّ النكتةَ مشتركةٌ ، مضافاً إلى منع نظرِ الآيةِ إلى العقوباتِ الدنيويةِ ، بل سياقُها سياقُ استعراضِ عدةِ قوانينَ للجزاءِ الأخرويّ ؛ إذ وردتْ في سياق
وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى
فإنّ هذا شأنُ عقوباتِ الله في الآخرة ، لا في الدنيا ، ولا منشأَ لدعوى النظرِ المذكورِ إلّا ورودُ التعبير بصيغةِ الماضي في قوله ( وما كنّا ) وهذا بنكتة إفادةِ الشأنيةِ والمناسبةِ ، ولا يتعيَّنُ أن يكون بلحاظ النظرِ إلى الزمان الماضي خاصّة .
ولكن يردُ على الاستدلال بالآية الكريمةِ ما تقدّم في الحلقة السابقةِ من أنَّ الرسولَ إنّما يمكنُ أخذُه كمثالِ لصدور البيانِ من الشارع لا للوصول الفعليّ ، فلا تنطبقُ الآيةُ في موارد صدورِه وعدمِ وصولِه .
ثم إنَّ البراءةَ إذا استُفيدتْ من هذه الآيةِ فهي براءةٌ منوطةٌ بعدم قيامِ دليلٍ على وجوبِ الاحتياط لأنّ هذا الدليلَ بمثابة الرسولِ أيضاً .