إن قيل : بناء على كون قاعدة قبح العقاب بلا بيان قاعدة عقلائية ، وأنها خاصّة بالتكاليف المعلومة فقط ، يمكن أن تكون عند المولى الحقيقي أيضاً وفي دائرة التكاليف المعلومة ، من باب إمضاء الشارع وسكوته على هذه البراءة العقلائية القائمة على قبح العقاب بلا بيان ، وعدم ردعه عنها .
الجواب : إننا نقبل إمضاء الشارع لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، لكن بعد الإمضاء تكون قاعدة شرعية وهي البراءة الشرعية وهي الوظيفة العملية الثانوية التي يأتي الكلام عنها فيما بعد ، لكن ذلك خلاف ما هو المدعى من كونها من مدركات العقل العملي .
وبهذا يتّضح عدم تمامية هذا الوجه أيضاً .
الوجه الثالث : عقاب من لم تقم عليه الحجّة قبيح
وهذا الوجه ذكره الشيخ الأصفهاني ، ولكي يتّضح هذا الوجه لابدّ من الإشارة بصورة مجملة إلى الفرق الذي ذكره المصنّف بين العقل النظري والعقل العملي .
فحيث إنّ للعقل إدراكاً للأشياء فقط ، وليس له الحكم عليها ، فعلى أساس هذا الإدراك ينقسم العقل إلى :
1 . العقل النظري : وهو إدراك الأمور الواقعية التي لا تقتضي جرياً عملياً كإدراك وجوب الشيء وإمكانه ، أو استحالة اجتماع النقيضين ، ونحوهما من الإدراكات .
2 . العقل العملي : وهو إدراك الأمور الواقعية التي ينبغي أن تقع وما لا ينبغي أن تقع من قبيل حسن الصدق وقبح الكذب ، أي : ينبغي فعل الصدق ولا ينبغي فعل الكذب ، أو قبح الظلم وحسن العدل .
وبتعبير السيد الشهيد : " إن الحكم النظري هو إدراك الأمور الواقعية التي لا تقتضي بذاتها جرياً عملياً معيّناً ، والحكم العملي هو إدراك الأمور الواقعية التي تقتضي بذاتها ذلك ، ويدخل إدراك العقل للمصلحة والمفسدة في الحكم