وحاصل هذا القدر المشترك هو أنّ هذه الوجوه تحاول أن تستفيد من الآية وجوب التحذّر ، وتستفيد أيضاً أنّ وجوب التحذّر هذا مطلق ولا يختصّ بصورة العلم بصدق المنذر ، بل هو ثابت سواء علم بصدقه أو لا .
وهذا الوجوب إذا ثبت بطريقة ما ، حينئذٍ يجعل برهاناً على حجيّة خبر الواحد ؛ لأنّه لو لم يكن خبر الواحد حجّة لما وجب التحذّر عند مجيئه إلّا إذا حصل العلم بصدقه ، ومع عدم العلم فلا يجب التحذّر .
إذن : وجوب التحذّر بمجيئه مطلقاً يكون ملازماً للحجيّة ، وهذا ركن ركين في كلّ الوجوه الآتية ، وقدر مشترك بينها .
ولكن هذه الوجوه تختلف في كيفية إثبات واستفادة وجوب التحذّر على الإطلاق من الآية « 1 » .
الأمر الأوّل : دلالة الآية على وجوب الحذر
ذُكرت عدة وجوه لإثبات دلالة الآية المباركة على وجوب الحذر ، منها :
الأوّل : أنّ التحذّر وقع مدخولًا لكلمة علعلّ في الآية الكريمة ؛ وعلعلّ تفيد الترجّي ، والمترجّي هنا هو الله تعالى ، وحيث إنّه لا يعقل في حقّه تعالى أن يترجّى أحداً ؛ لأنّ الترجّي الحقيقي معقول بالنسبة للبشر ، أمّا بالنسبة له عزّ اسمه فمحال وغير معقول ، وحيث إنّ أقرب المعاني إلى الترجّي هي المطلوبية ، كان معنى قوله تعالى :
لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
: أطلب منكم الحذر ، وليس : أرجوكم الحذر .
فإن قلت : إنّ الطلب - في علم الأصول - أعمّ من الوجوب والاستحباب ، فكيف تثبتون أنّ الطلب - هنا - طلب وجوبيّ ؟
قلتُ : إنّ الآية إنّما طلبت التحذّر لوجود احتمال العقاب الأخروي ، وهو
هامش
( 1 ) بحوث في علم الأصول ( عبد الساتر ) ، مصدر سابق : ج 10 ص 184 . .